Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

الدراما السورية بعد سقوط الأسد: سجون الماضي بين التوثيق والجدل الأخلاقي

يُعدّ موسم رمضان 2026 محطة استثنائية في تاريخ الدراما السورية، ليس فقط لأنه الأول الذي يُنتج بكامله بعد سقوط النظام السابق، بل لأنه يحمل انعطافاً جذرياً في طبيعة السرد الدرامي.

فبعد سنوات من التكرار والالتفاف على الواقع تحت غطاء “الدراما الآمنة”، تتجه النصوص الجديدة إلى مواجهة مباشرة مع إرث القمع، خصوصاً فيما يتعلق بالسجون والمعتقلات، تلك المساحات التي ظلّت لعقود خارج حدود التمثيل المسموح.

“مسارح الجريمة” ممنوعة.. حتى لو كانت مفتوحة

ورغم عودة التصوير التدريجي إلى داخل المدن السورية، وفتح مواقع كانت مغلقة لسنوات، فإن بعض شركات الإنتاج تجنبت بشكل قاطع استخدام الأفرع الأمنية والسجون السرية كمواقع تصوير فعلية.

فقد تصدّرت أعمالٌ درامية سورية، من إخراج أسماء معروفة، عناوين النقاش العام بعد أن اختارت لخلفيات التصوير مواقعَ حقيقية داخل سجون وأفرع أمنية تابعة للنظام السابق.

وأثار هذا الخيار جدلاً واسعاً في الشارع السوري، إذ اعتبر كثيرون أن تحويل هذه الأماكن ــ التي شهدت تعذيباً واعتقالات تعسّفية وحالات اختفاء قسري ــ إلى مواقع إنتاج تلفزيوني يُشكّل انتهاكاً رمزياً لكرامة الضحايا، ويُفقِد المكان قدسيته كشاهد على ما ارتُكب هناك.

وذهب البعض إلى أن الحفاظ على هذه المواقع كـ”مسرح للجريمة” يتطلب توثيقه وتأهيله كأرشيف وطني أو متحف للذاكرة، لا أن يكون مجرّد ديكور مؤقت لدراما قد تُنسى بعد موسم مسلسلات رمضان.

في هذا السياق، يبرز موقف المخرج صفوان مصطفى نعمو كاستثناء واعٍ. ففي حديثه لـ”يورونيوز”، يؤكد أن عمله الذي يحمل عنوان “القيصر”ــ أحد أولى الأعمال التي تناولت موضوع السجون بعد سقوط النظام ــ لم يدخل أي موقع حقيقي مرتبط بالانتهاكات، معتبراً أن “هذه الأماكن هي مسرح جريمة، ولا يجوز لأحد أن يصور فيه”.

ويضيف: “نحن أول من صوّر هذا النوع من الأعمال، لكننا رفضنا قاطعاً أن ندخل أي مكان له علاقة بمسرح جريمة”.

وبدلاً من ذلك، اعتمد نعمو وفريقه على ديكورات مصممة بدقة داخل الاستوديوهات، بهدف محاكاة الواقع دون انتهاك الحدود الأخلاقية. ويوضح أن “اللوكيشن كان ديكوراً خاصاً للمسلسل، صُمم خصيصاً لتقديم أفضل نتيجة ممكنة للجمهور العربي”.

ويؤكد أن الهدف ليس تقديم عمل سياسي، بل “دراما إنسانية تخاطب كل سوري عاش تلك الحقبة”، وتُوجّه رسالة واضحة للعالم: “هنا كان التعذيب”.

نجوم الدراما وورَشُ كتابة جماعية

وقد ضمّ طاقم التمثيل في “مسلسل قيصر” نخبةً من أبرز وجوه الدراما السورية، من بينهم سلوم حداد، فراس إبراهيم، غسّان مسعود، سامر إسماعيل، وفادي صبيح.

أما كتابة العمل، فكانت حصيلة عمل جماعي مكثّف استمر نحو سبعة أشهر، وشارك فيه كتّاب بارزون وقد بُنيت القصص على شهادات حقيقية لضحايا وناجين، خضعت لمعالجة درامية دقيقة لتجنّب المباشرة أو التبسيط.

التوثيق ليس استرجاعاً للألم

ويرى الناقد الفني عامر عامر في حديثه لـ”يورونيوز” أن هذه الموجة “ردّ فعل طبيعي على سقوط نظام كان الاعتقال أحد أعمدته”، لكنه يحذر من الخلط بين التوثيق الحقيقي والاستغلال العاطفي.

فالتوثيق الدرامي، بحسب عامر، لا يكمن في عرض مشاهد تعذيب صادمة، بل في بناء شخصيات ذات عمق إنساني، وعلاقات معقّدة، ومسارات درامية تُفضي إلى المعنى، لا إلى الصدمة المجانية. ويطرح سؤالاً جوهرياً: “هل يخدم الألم الفكرة أم يبتلعها؟”.

ويشدد عامر على ضرورة احترام كرامة الضحايا، وتجنّب التلذذ البصري بالعنف، والابتعاد عن الاختزال أو التنميط. ويؤكد أن التعذيب يجب أن يُقدَّم “بصفته جريمة لا مادة تشويق”، وأن يكون “مفهوماً لا مستعرضاً”. فنياً، يدعو إلى “الاقتصاد في المشهد، والدقة في الحوار، والاعتماد على التراكم لا الانفجار”، مؤكداً أن “الصمت أحياناً أبلغ من الصراخ”.

ويرفض الناقد الدرامي فكرة إعفاء هذه الأعمال من المحاسبة الفنية بحجة “قدسية القضية”، قائلاً: “الفن الرديء لا يخدم حتى أقدس القضايا”.

ويرى أن النقد الجادّ قادر على “كشف التكرار، وهو ينبّه إلى الاستسهال، والتمييز بين الصدمة الفنية والصدمة المجانية”، وبالتالي دفع صنّاع الدراما نحو التأمل لا الاستهلاك.

انقسام جماهيري.. ومسؤولية مضاعفة

أما الجمهور فمنقسم: جزء يتعامل مع هذه الأعمال كواجب أخلاقي أو شهادة تاريخية، وجزء آخر يطلب منها قيمة فنية حقيقية. والعمل الناجح، بحسب عامر، هو الذي “يحقق الاثنين معاً، من دون أن يضحّي بأحدهما”.

ويلفت الناقد إلى أن الساحة تميل حالياً إلى توثيق الألم أكثر من البحث في الأمل أو إعادة البناء، وهو أمر مفهوم في مرحلة ما بعد الصدمة. لكنه يحذر من أن “الاستمرار في هذا الاتجاه وحده قد يخلق إنهاكاً وجدانياً”، داعياً إلى توسيع الرؤية لتشمل “الإنسان لا الضحية فقط، والمستقبل لا الماضي وحده”.

ما ينقص هذه الموجة؟

ويخلص عامر عامر إلى أن ما ينقص هذه المرحلة هو “الوقت للتأمل، والجرأة على التجريب، والعمل الجماعي بين كتّاب وباحثين وناجين، لا الاكتفاء بالذاكرة الفردية”.

ويضيف: “ما نحتاجه هو دراما تفهم أن التوثيق ليس إعادة فتح الجرح فقط، بل محاولة لفهمه، ومنحه شكلاً فنياً قادراً على البقاء”.

وفي هذا السياق، يلتقي المخرج والناقد على رؤية مشتركة: فبينما يقول نعمو إن عمله “ليس سياسياً بل دراما إنسانية”، يردّد عامر أن “الدراما التي تتناول السجون ليست مطالبة بأن تكون محكمة تاريخية، لكنها مطالبة بأن تكون صادقة، عميقة، وإنسانية”.

أما السؤال الأصعب فيبقى معلّقاً: هل ستكون الدراما السورية قادرة على أن تحمل وجع الماضي دون أن تُثقل به المستقبل؟ الجواب لن يكون في عدد المشاهدين، بل في قدرتها على أن تجعل الألم يُفهم، لا فقط أن يُرى — وأن تمنح الضحية صوتاً، لا صرخة.

الدراما السورية: من أداة السلطة إلى مرآة الذاكرة

ولطالما شكّل الفن والتمثيل أداتين جوهريتين في نقل الواقع ومحاكاته، لا عبر التوثيق المباشر فحسب، بل عبر السرد الرمزي الذي ينتقد الظروف المعيشية والسياسية من دون أن يسمّي الحاكم صراحةً.

ففي العقود التي سبقت 2011، كانت الدراما السورية أداة اجتماعية-سياسية خاضعة لرقابة صارمة، تكرّس ــ بشكل مباشر أو غير مباشرــ نموذج السلطة القائم.

وقد ظهر ذلك جليّاً في أعمال رموز مثل دريد لحام، التي حافظت على خطاب وطني عام، لكنها تجنّبت المسّ بالهياكل الأمنية أو التشكيك في مشروعية النظام.

بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، بدأت الدراما تنفصل تدريجياً عن وظيفتها الترويجية، لتتحوّل إلى مرآة منقسمة ومعقّدة تعكس انكسارات المجتمع. فبرزت أعمال جريئة مثل “الولادة من الخاصرة” و”كسر عظم” و”ابتسم أيها الجنرال”، التي تناولت الفساد، ومافيا السلطة، وانهيار الدولة من الداخل، رغم استمرار ضغوط الرقابة وتهديدات التمويل.

ومع مرور الزمن، وخصوصاً في المراحل التي أعقبت عام 2025، بدأت محاولات أكثر جرأة لتوثيق المجازر الجماعية، وفضح ممارسات التعذيب المنظّم، وتسليط الضوء على سجن صيدنايا وغيره من المواقع التي تعتبر رمزا للانتهاكات التي ارتُكبت، في ظل تحرر نسبي من القيود السياسية.

وبعد سقوط النظام، انفتحت أمام الكتاب والمخرجين وشركات الإنتاج نافذة استثنائية: إذ لم تعد القصة بحاجة إلى التورية أو اللعب بالزمن أو التمويه على الجاني.

وأصبح بالإمكان السرد بشكل مباشر، الإشارة الواضحة إلى مكان الخلل، وربط الحكاية الشخصية بالحدث التاريخي دون وسيط. وهكذا، تحولت الدراما من أداة للالتفاف إلى منبرٍ للشهادة، ليس فقط على ما حدث، بل على ما يجب ألا يُنسى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى