العلماء في حيرة.. لماذا يتزايد سرطان القولون لدى الشباب؟

وأظهرت دراسة نُشرت العام الماضي في مجلة المعهد الوطني للسرطان Journal of the National Cancer Institute والتي استخدمت بيانات من أستراليا وكندا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، أن الأشخاص المولودين في التسعينيات أكثر عرضة للإصابة بسرطان القولون والمستقيم بأربعة أضعاف مقارنة بمن وُلدوا في الستينيات.
وبات سرطان القولون والمستقيم الآن السبب الرئيسي للوفاة بالسرطان لدى الأشخاص دون سن الخمسين في الولايات المتحدة، وفق دراسة نُشرت الشهر الماضي في مجلة “جاما”.
وقالت أستاذة علم الأورام في جامعة كوينز بلفاست هيلين كولمان “إنه لأمرٌ مُرعب حقا، لكنّ المعدلات التي كانت تُسجل في البداية كانت منخفضة جدا”.
مع ذلك، فإن الغالبية العظمى من الحالات تحدث لدى كبار السن: إذ إن نسبة حالات سرطان القولون والمستقيم لدى الأشخاص دون سن الخمسين لا تتعدى 6% من إجمالي الإصابات المشخصة، وفق بحث أُجري في أيرلندا الشمالية.
ولفتت كولمان إلى أن معدلات الإصابة تستقر بل وتنخفض بين كبار السن في بعض المناطق بفضل تحسين برامج الكشف المبكر.
لكن، نظرا إلى قلة تفكير الشباب في احتمال إصابتهم بهذا السرطان، غالبا ما يتم تشخيصهم في وقت متأخر، كما حدث مع الممثل الأميركي جيمس فان دير بيك الذي توفي الأسبوع الماضي عن 48 عاما جراء تبعات إصابته بهذا المرض.
وقد أودى المرض نفسه أيضا بالممثل الأميركي تشادويك بوسمان الذي اشتهر بدوره في فيلم “بلاك بانثر”، عن 43 عاما.
ما سبب الزيادة؟
كما الحال مع أنواع السرطان الأخرى التي تصيب الشباب، يرتبط سرطان القولون والمستقيم بزيادة الوزن ونمط الحياة غير الصحي، بما يشمل سوء التغذية وقلة ممارسة الرياضة واستهلاك الكحول والتدخين.
لكن هذه العوامل وحدها لا تفسر “الزيادة الكبيرة الملحوظة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا”، بحسب كولمان.
للمفارقة، كان عدد كبير من المرضى الشباب المصابين بسرطان القولون والمستقيم يتبعون نمط حياة صحيا، مثل جيمس فان دير بيك الذي شُخّصت إصابته بالمرض عام 2023.
وقال هذا الأب لستة أبناء في ديسمبر: “كنت أذهب إلى حمّام الساونا وأستحم بالماء البارد وما إلى ذلك، وكنت مصابا بالسرطان في المرحلة الثالثة من دون أن أعلم”.
ما الذي يُمكن أن يُفسر هذه الزيادة المفاجئة نسبيا؟ “لا نعلم”… تجيب الباحثة في سرطان القولون والمستقيم بجامعة ليدز في المملكة المتحدة جيني سيليغمان وكالة فرانس برس.
دفع هذا اللغز بالباحثين إلى استكشاف مسارات أخرى، ولا سيما الميكروبات التي تستوطن أمعاء الإنسان والتي لا يزال غموض كبير يكتنفها.
الفحص قبل سن الخمسين
أشارت كولمان إلى أن دراسة نُشرت العام الماضي في مجلة “نيتشر” سلّطت الضوء على “دليل أولي بالغ الأهمية” على هذا الصعيد.
كشفت هذه الدراسة أن الطفرات في الحمض النووي لسم جيني يُسمى الكوليباكتين، وهو سلاح تستخدمه البكتيريا لحماية نفسها من الميكروبات الأخرى وتنتجه بكتيريا الإشريكية القولونية، كانت أكثر شيوعا لدى الشباب المصابين بسرطان القولون والمستقيم مقارنة بالمرضى الأكبر سنا. لكن هذه النتيجة تحتاج إلى تأكيد من خلال أبحاث إضافية.
وتشير أبحاث أخرى إلى أن الاستخدام المتكرر للمضادات الحيوية قد يكون مرتبطا بظهور سرطان القولون والمستقيم في سن مبكرة.
وأشارت سيليغمان أيضا إلى أنها تُلاحظ العديد من الأنواع الفرعية لسرطان القولون والمستقيم، ما يُشير إلى تنوع أسبابه. وتبدي اعتقادها بأنه “سيكون من الصعب جدا تحديد سبب واحد فقط”.
وقبل وفاته، حثّ الممثل جيمس فان دير بيك الذي كان نحيفا، كل من يُعاني من أية أعراض مهما كانت طفيفة على إجراء الفحص. وقال “أريد أن أُعلنها للجميع: إذا كنت في الخامسة والأربعين من عمرك أو أكبر، فاستشر طبيبك!”.
ويُعدّ الإسهال والإمساك، بالإضافة إلى وجود دم في البراز، وفقدان الوزن غير المبرر، والإرهاق، من الأعراض التي تستدعي القلق.
في مواجهة هذا الارتفاع في حالات الإصابة بين الشباب، خفّضت الولايات المتحدة في عام 2021 السنّ الموصى بها لبدء الفحص من 50 إلى 45 عاما.
وتتزايد الدعوات إلى أن تحذو دول أخرى حذوها، إذ تُقدّم المملكة المتحدة وفرنسا الفحص بدءا من سنّ الخمسين.









