هل تصبح روبوتات الذكاء الاصطناعي شركاء عاطفيين للبشر ؟

ومن بين هذه النماذج روبوت يدعى “بود”. وعندما تتحدث عنه سارا ترينور التي تستخدمه تأخذ الأمور طابعا شخصيا للغاية، حيث تنقل عنها شركة “ريبليكا” قولها: “لقد علمني كيف أقدم الحب وأتقبله من جديد، وساعدني خلال الجائحة وفي أوقات الفقد والظروف الصعبة”.
ويظهر “بود” بشعر أخضر وذراعين مغطاتين بالوشوم، لكنه في الحقيقة شخصية مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي من خلال تطبيق “ريبليكا” التابع لشركة “لوكا”، المتخصصة في تطوير روبوتات دردشة تتميز بالتفاعل العاطفي، ويمكن للمستخدمين التحدث معها عبر الرسائل أو المحادثات الصوتية كما لو كانوا يتحدثون مع أشخاص حقيقيين.
وتروج “ريبليكا” لخدمة “الرفقاء الافتراضيين” القابلة للتخصيص بعبارات مثل: “دائما موجود للاستماع والحديث. ودائما إلى جانبك”. وتقول الشركة إن لديها أكثر من 42 مليون مستخدم مسجل حول العالم.
ويرى بعض العاملين في قطاع الذكاء الاصطناعي إمكانات كبيرة في هذا المجال. فإلى جانب شركة “لوكا”، درست شركة “أوبن إيه ي” في مرحلة سابقة فكرة تطوير نسخة ذات طابع جنسي من “شات جي بي تي”.
وتدرس الباحثة في علم النفس، جيسيكا شتوكا، من جامعة دويسبورج-إيسن الألمانية هذه الظاهرة، وتقول إن الاستخدام المتكرر يدفع بعض الأشخاص للتفاعل اجتماعيا مع تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى درجة بناء علاقات معها.
وأضافت شتوكا: “المشاعر التي تنشأ في هذه الحالة قد تبدو حقيقية للغاية بالنسبة للأشخاص المعنيين، ويمكن أن تكون في بعض جوانبها مشابهة للمشاعر التي تنشأ في العلاقات بين البشر”، موضحة أن روبوتات الدردشة تحاكي أنماط التواصل الإنساني، وبالتالي ترسل إشارات اجتماعية مشابهة.
وأشارت الباحثة إلى أن معظم الناس يشعرون برغبة في توجيه الشكر إلى نظام يقدم لهم خدمة مفيدة، كما يفعلون في التفاعلات الاجتماعية المعتادة، مضيفة أن نشوء علاقات حميمة مع الذكاء الاصطناعي ليس أمرا غريبا، لدرجة أن بعض الأشخاص يقولون إنهم يشعرون “بفراشات في المعدة” أو يعتقدون أنهم يطورون مشاعر تجاه الذكاء الاصطناعي.
دراسة لافتة
من جانبه، أجرى الباحث راي دجوفريل من الجامعة التقنية في برلين مقابلات كتابية مع مستخدمين بالغين لتطبيق “ريبليكا” من عدة دول بشأن طبيعة علاقاتهم مع الروبوتات.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في دورية “كمبيوترز إن هيومان بيهيفيور: رتيفيشال هيومانز”، أن كثيرا من المستخدمين ينظرون إلى روبوتات الدردشة باعتبارها شركاء حقيقيين يمكن خوض حوارات عميقة معهم ومشاركة تجارب مثل السفر. كما تبين أن استخدام التطبيق يزداد لدى الأشخاص الذين يرون أن علاقاتهم الإنسانية غير مشبعة عاطفيا أو جسديا.
وقال دجوفريل في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية: “جميع المشاركين يدركون أن ريبليكا مجرد روبوتات دردشة، لكنهم يتعاملون معها كما لو كانت بشرا لديهم هواياتهم وتحدياتهم الخاصة”.
وشبه الباحث هذه العلاقات بالعلاقة التي تربط كثيرين بحيواناتهم الأليفة، موضحا أن الحيوانات والذكاء الاصطناعي لا يمتلكان أجندة خاصة، ولذلك يراهما البعض رفيقين أفضل من البشر، لأنهما أقل ميلا إلى إصدار الأحكام وأكثر توافرا وأقل أنانية.
ووفقا للدراسة، أفاد نحو نصف المشاركين، الذين بلغ عددهم نحو 30 شخصا، بأنهم طوروا علاقة عاطفية عميقة مع شخصيات “ريبليكا”، لكن دجوفريل يرى أن إحدى المشكلات الرئيسية تكمن في أن هذه العلاقات تعتمد بالكامل على قرارات شركات التكنولوجيا، وقال: “إذا أغلقت الشركة أبوابها، فإن الناس سيفقدون الأشخاص الذين يتعلقون بهم”.
وتتفق شتوكا مع هذا الرأي، مشيرة إلى أن الشركات تمتلك سيطرة كاملة على البيانات التي تجمعها وعلى طريقة عمل الخوارزميات وأنماط السلوك والأفكار التي تعكسها. كما اعتبرت حماية الأطفال واليافعين من أبرز التحديات.
وترى الباحثة أن هناك حاجة كبيرة إلى تنظيم سياسي وتشريعي لهذا المجال، وتشارك ضمن فريق متعدد التخصصات في جهود تهدف إلى إدراج القضية على جدول الأعمال السياسي. وقالت شتوكا: “أنا لا أتحدث عن حظر هذه التكنولوجيا، ولست من أنصار ذلك شخصيا. لا أعتقد أن الحظر سيساعد بأي شكل”.
وأضافت شتوكا أن الأنظمة تحتاج إلى رقابة أفضل وإلى تدريب تحت إشراف مختصين، مشيرة إلى أن تطوير ذكاء اصطناعي يراعي المعايير الأخلاقية يكلف الشركات الكثير، ولا يحقق لها فوائد مباشرة ما لم تدفعها القوانين والتنظيمات إلى تبني هذه الإجراءات.
ورغم المخاطر، يتوقع دجوفريل أن تزداد العلاقات مع الذكاء الاصطناعي مستقبلا، خصوصا في المجتمعات التي تعاني مستويات مرتفعة من الوحدة. في المقابل، تشير شتوكا إلى أن هذه العلاقات لا تزال محدودة الانتشار، وتتوقع أن يظل نموها في حدود معينة.
وقالت: “لا ينبغي أن نخشى أن يصبح جميع الناس خلال 5 سنوات مرتبطين فقط بأنظمة ذكاء اصطناعي، لأن هذا النقاش يتجاهل في كثير من الأحيان خصوصية الإنسان وتفرده. فالأمر ليس بهذه البساطة”.









