دُمر على يد “داعش”.. نقش آشوري عراقي قد يكشف أقدم تصوير للقدس

بقلم: يورونيوز
نشرت في
كشفت دراسة بحثية حديثة أن نقشاً بارزاً آشورياً عمره نحو 2700 عام، دُمر على يد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، قد يكون أقدم تمثيل بصري معروف على الإطلاق لمدينة القدس، متقدماً على خريطة مادبا الفسيفسائية الشهيرة ــ التي عُثر عليها في كنيسة بيزنطية بالقرن السادس الميلادي في الأردن ــ بأكثر من 1200 عام.
ونقلت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” في تقرير مطول عن الدراسة التي أجراها الباحث ستيفن كومبتون من جامعة جنوب إفريقيا، ونُشرت في أكتوبر الماضي بمجلة “جورنل أوف نير إيسترن ستَديز”.
ويرى كومبتون أن اللوحة الحجرية المدمرة، التي كانت جزءاً من زينة قصر الملك الآشوري سنحاريب (705–681 قبل الميلاد) في نينوى (الموصل الحديثة)، لا تصور ــ كما كان يُعتقد لعقود ــ مدينة إلْتَقَه الفلسطينية، بل تجسد مشهد حصار القدس خلال الحملة العسكرية الثالثة للملك الآشوري عام 701 قبل الميلاد.
قاعة العرش: معرض عسكري آشوري
اشتملت قاعة عرش سنحاريب، التي تعد أكبر غرفة في القصر بطول 167 قدماً (نحو 50 متراً)، على 33 لوحة منحوتة على الأقل، صوّرت مآثر الملك الغازية.
وقد بدأ علماء الآثار البريطانيون حفريات منهجية في الموقع منذ منتصف القرن التاسع عشر، ووثّقوا اكتشافاتهم برسم تفصيلي دقيق. ونُقلت الألواح الأكثر حفظاً إلى لندن، حيث لا تزال معروضة في المتحف البريطاني.
ومن بين هذه القطع، هناك نقوش بارزة من غرفة أخرى في القصر تُصوّر تدمير مدينة لخيش اليهودية، والتي يُرجّح أنها دُمّرت خلال الحملة نفسها التي استهدفت القدس.
ويسجّل “سجل سنحاريب” تلك الحملة الثالثة، التي اجتاح فيها جيشه فينيقيا وساحل بلاد الشام، قبل أن يتجه إلى مملكة يهوذا المدعومة من مصر خصم آشور الرئيسي.
من “إلْتَقَه” إلى “القدس”: إعادة قراءة المشهد
لطالما فُسّر المشهد المنحوت على “اللوحة 28” في قاعة العرش على أنه يصوّر مدينة مرتبطة بمعركة إلْتَقَه ــ وهي مواجهة ذكرها سنحاريب في سجلاته باعتبارها انتصاراً على تحالف مصري-فلسطيني في السهول الجنوبية. ورغم أن الموقع الدقيق لإلْتَقَه لم يُحدد أثرياً بشكل قاطع، فإن الباحثين ربطوا النقش تقليدياً بتلك المعركة، نظراً لموقعه على الجدار المقابل لمشاهد أخرى من الحملة نفسها.
لكن تحليل كومبتون، الذي اعتمد على رسومات أرشيفية من القرن التاسع عشر وصور فوتوغرافية التقطها المؤرخ الفني جون مالكولم راسل عام 1990، يقترح قراءة مغايرة.
ويشير إلى أن النقش يظهر مدينة سليمة محاطة بالجيش الآشوري، مع شخصية منفردة على قمة مبنى داخلي كبير تحمل راية ــ رمز الملكية ــ دون أي مشاهد نهب أو تدمير، وهو أمر غير معتاد في الفن الآشوري.
وقال كومبتون لـ”تايمز أوف إسرائيل”: “عادةً ما تُظهر النقوش الآشورية مدناً يتم نهبها وحرقها، ويحمل الجنود الغنائم والسُبْيَ. لكن هنا، المدينة قائمة، ولا فوضى داخلها”.
وأضاف: “في هذا المشهد، إلى يمين العرش، هناك فرد يحمل راية وهي رمز ملكي. عادةً، ترى مدافعين داخل المدينة يرمون السهام والحجارة. لكن هنا، لدينا ما يبدو أنه ملك وحيد”.
وهذا يتطابق مع رواية “حوليات سنحاريب”، التي يتباهى فيها الملك بحبس ملك يهوذا حزقيا في “أورشليم” (القدس) “مثل طائر في قفص”، وكذلك مع الرواية التوراتية التي تذكر أن حزقيا دفع جزية باهظة، ثم ضرب ملاك الرب جيش الآشوري فمات 185 ألف جندي في ليلة واحدة، فانسحب سنحاريب.
المعمار والدلالات: حجج الدراسة الجديدة
يستند كومبتون إلى عدة مؤشرات:
- الطراز المعماري: تظهر الأبراج في اللوحة بتقنية الكَرْب المزدوجة ــ حيث تدعم أحجار بارزة مساحة علوية أوسع من قاعدتها. وهذه السمة ظهرت فقط في ثلاث نقوش آشورية، اثنتان منها تصوران مدينتين يهوديتين: لخيش وجت. وبحسب المصادر الآشورية، كانت جت ــ التي تظهر فيها سمات مائية كأنها خندق ونهرــ تحت حكم حزقيا رغم أصولها الفلسطينية.
- التسلسل الجغرافي: يرى كومبتون أن الجدار يصوّر الممالك بترتيب غزوها: فينيقيا (بمدينة أُشُّو)، ثم فلسطين، ثم يهوذا. ويدعم ذلك وجود نقشَين عند مدخل القاعة يذكران مدينتين فقط: أُشُّو و”أورشليم”.
- المنظور البصري: المسافة بين السور والقصر الداخلي تتوافق مع الخندق الجاف بين جبل الهيكل ومدينة داود، وهو المنظر الذي رآه الغزاة القادمون من الشمال، وفق ما ورد في سفر إشعيا والمؤرخ يوسفيوس. وقال كومبتون: “الآشوريون كانوا يصوّرون المدن بسماتها المميزة. ومن الشمال، يظهر جبل الهيكل في المقدمة، ومدينة داود في الخلفية”.
معارضة أكاديمية وقراءات بديلة
يعارض البروفيسور دانيال كاهن من جامعة حيفا هذا التفسير، قائلاً لـ”تايمز أوف إسرائيل”: “أعتقد أنه مخطئ”. وكان كاهن قد دعم الفكرة سابقاً، لكنه غيّر رأيه. ويعتقد أن القدس مصوّرة في سبع ألواح أخرى مفقودة كانت أقرب إلى العرش ــ أي في “ذروة المشهد” ــ وقد التقط فريق آثار صوراً عالية الدقة لها عام 2011، تُظهر “أشخاصاً أُسروا مع خلفية جبلية”، ما يناسب القدس أكثر.
كما يرى أن اللوحة 28 تقع على نفس الجدار الذي يصوّر معركة إلتيقه، وأن البيئة المصورة سهلية، مما يناسب عقرون الفلسطينية ــ التي تعهّد ملكها بالولاء لسنحاريب فأعاده إلى عرشه.
ورد كومبتون بأن الفنانين الآشوريين استخدموا “السرد المتواصل”، حيث يدمجون أحداثاً من أماكن وأزمنة مختلفة في مشهد واحد دون فواصل. كما في أطول نقش في قاعة أخرى من القصر. وقال: “الجيش يسير بين مدينتين، وهذا يدل على مرور الزمن، لا على التقارب الجغرافي”.
من جهته، قال البروفيسور شتيفان ماول من جامعة هايدلبرغ إنه “لا يجد الحجج مقنعة”، رغم عمله منذ 2018 على توثيق آلاف الشظايا من القصر.
تدمير منهجي وإرث مهدد
وبحسب ما ذكره البروفيسور شتيفان ماول لـ”تايمز أوف إسرائيل”، فإن تنظيم الدولة بدأ بعد سيطرته على الموصل عام 2014 حملة منهجية لتدمير التراث ما قبل الإسلامي، باعتباره تهديدًا لهويته المتطرفة، وكان أول ما استهدفه ضريح النبي يونان.
وفي 2016، دمر التنظيم قاعة العرش، بما فيها اللوحة 28. ومنذ تحرير الموصل عام 2017، يعمل فريق ماول على جمع 8500 قطعة كبيرة وأكثر من 10 آلاف صغيرة، وبنوا مرفقاً خاصاً طوله أكثر من 20 متراً لحفظها. ويقومون بإعادة تركيب الألواح في غرف مجاورة، في سباق ضد الزمن.
وقال ماول: “العراق دولة متنوعة دينياً وعرقياً، والشيء الوحيد الذي وحّد شعبه هو الفخر بأنه مهد الحضارة. فداعش دمّر هذا الإرث ليفرض هوية إسلامية متطرفة”. وأضاف: “لدينا مسؤولية ضمان أن داعش لن ينجح في تحقيق هدفه”.
وتظل الدراسة الجديدة شاهداً على قيمة ما فُقد ومحاولة لإعادة سماع صوت التاريخ من خلال صور لم يعد لها وجود مادي.









