Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

سوريا الجديدة بين صفحات الكتب.. معرض دمشق يكشف صراع السرديات بعد سقوط نظام الأسد

بقلم:&nbspيورونيوز

نشرت في

في احتفالية بصرية مزجت بين إرث الماضي والمرحلة الحالية، انطلقت في الـ “6 من فبراير/ شباط” فعاليات الدورة الاستثنائية من معرض دمشق الدولي للكتاب لعام 2026 تحت شعار “تاريخ نكتبه.. تاريخ نقرأه”.

شعار المعرض في دورته الحالية والمستمرة حتى الـ “16” من الشهر الجاري، لم يكن مجرد كلمات، بل تجسّد في تصميم بصري لافت، عبارة عن أربعة كتب متراكبة بشكل عمودي تتوسطها حروف من أبجدية أوغاريت، التي تعد من أقدم وأكمل الأبجديات المكتشفة في العالم.

وبحسب تصريحات نائب وزير الثقافة، سعد نعسان، لوكالة الأنباء السورية “سانا” فإن هذا الشعار يرمز لدمشق وسوريا عبر شكل أربعة كتب متراكبة شاقولياً، تتضمن الكتب صوراً لمكتبات قديمة تبرز العلاقة بين المكان والمعرفة، و يؤكد نعسان في حديثه للوكالة أن الكتاب هو جوهر الهوية الثقافية السورية الأصيلة، مشيراً إلى أن الشعار يستحضر حروفاً قديمة ترمز إلى حضارة أوغاريت التاريخية العريقة.

إلا أن هذا الغلاف الحضاري الرقيق يصطدم بواقع مغاير تماماً بمجرد الدخول إلى أروقة المعرض، حيث لم تكن رائحة الورق وحدها ما ملأ أروقة المكان، بل رائحة تحوّل عميق يلامس جوهر الهوية السورية.

في أول دورة تُقام بعد سقوط نظام بشار الأسد، بدا المعرض، وفق مراقبين، أقرب إلى بيان سياسي غير مكتوب، منه إلى فعالية ثقافية تقليدية، لم تعد المسألة تتعلق بعدد الدور المشاركة أو حجم المبيعات، بل بالسؤال الأثقل أيّ سردية تُكتب لسوريا الجديدة؟

المعرض الذي تأسس عام 1984 وعاش عقوداً تحت سقف “علمانية الأسد الأمنية الصارمة”، يعود اليوم في سياق مختلف جذرياً، الرقابة تغيّرت ملامحها، ومركز الثقل الفكري تحرك بوضوح نحو خطاب ديني محافظ يتقدم بثقة إلى الواجهة.

صعود الخطاب المحافظ.. وتحول في بوصلة العرض

في جولة بين الأجنحة، يفرض المشهد نفسه بلا مواربة، مجلدات المدرسة السلفية، مؤلفات ابن تيمية، كتب العقيدة، وتجارب الحركة الإسلامية تتصدر الواجهات، لم تعد هذه الكتب محظورة كما في السابق، بل باتت في قلب الحدث.

ومن هذا الاتجاه يرى العديد من الناشرين العائدين أن المعرض كسر “قيود الرقابة” التي دامت عقوداً. كما يعتبرون وجود أكثر من 500 دار نشر من 35 دولة، بما فيها السعودية وقطر كضيفي شرف، دليلاً على عودة سوريا إلى عمقها العربي والإسلامي، فيما عبرت نخب ثقافية أخرى عن قلقها من تحول المعرض إلى منصة للتيارات السلفية.

الجدل لم يتوقف عند حدود الفكر السلفي التقليدي، فقد جرى رصد كتب لتيارات متشددة مرتبطة بتنظيم القاعدة، إلى جانب مذكرات وشهادات لشخصيات بارزة في تاريخ التنظيم، من بينها أبو حفص الموريتاني، الذي شغل سابقاً موقع مفتي تنظيم القاعدة.

وجود مثل هذه العناوين في معرض رسمي يقام في العاصمة السورية بعد سقوط النظام، أثار موجة واسعة من ردود الأفعال على مواقع التواصل الاجتماعي.

ومع تصاعد موجة التفاعل في الفضاء الرقمي، لم يقتصر الجدل على ردود الفعل المؤيدة أو المتسائلة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حيث تحوّل الموضوع إلى نقاش أعمق حول دلالات نشر هكذا نوعية من الكتب وتوقيتها، فالقضية وبحسب الكثيرين تتجاوز فكرة إتاحة الأفكار للنقاش العام، لتلامس جوهر المسؤولية الثقافية والسياسية في مرحلة انتقالية دقيقة، حيث وجد البعض أن عرض مذكرات شخصيات جهادية سابقة داخل فضاء رسمي لا يمرّ كحدث عابر، بل يحمل رمزية ثقيلة تتخطى البعد الأكاديمي أو التوثيقي، وتفتح الباب أمام تساؤلات حقيقية حول الاتجاه الذي يُراد للوعي الجمعي أن يتشكّل وفقه.

في المقابل، برزت وجهات نظر أخرى تساءلت عن سبب الاعتراض أصلاً، معتبرة أن وجود كتب لابن تيمية أو غيره من رموز التراث الديني ليس مشكلة بحد ذاته، وأن احترام جميع التوجهات والمكوّنات السورية يقتضي عدم استثناء أي تيار فكري ما دام يُعرض في إطار ثقافي مفتوح للجميع.

“هل أتاك حديث الرافضة”.. من إدلب إلى المنع

وفي قلب هذا المشهد، برزت قضية كتاب “هل أتاك حديث الرافضة”، الذي يحمل خطاباً مذهبياً صدامياً مباشراً تجاه الطائفة الشيعية، وهو عبارة ملخصات خطب صوتية لأبو مصعب الزرقاوي، “زعيم تنظيم القاعدة في العراق” الذي قتل على يد القوات الأمريكية في 7 يونيو/حزيران 2006.

الكتاب أُعلن عنه أولاً عبر منشور رسمي لدار نشر مقرها مدينة إدلب، حيث رُوّج لمشاركته في المعرض، قبل أن يُحذف المنشور لاحقاً بشكل مفاجئ. التطورات تسارعت مع دخول جهات أمنية عراقية على خط الأزمة، إذ طلبت رسمياً عدم عرض الكتاب، معتبرة أن مضمونه تحريضي وقد يؤثر سلباً على العلاقات الثنائية.

وبالفعل، جرى منع عرض الكتاب داخل المعرض. هذا المسار وبحسب خبراء كشف هشاشة التوازن بين الاندفاع نحو خطاب مذهبي متشدد وبين حسابات سياسية لا تحتمل انفجاراً إضافياً في المنطقة وخاصة في هذه المرحلة التي تحاول السلطة السورية الجديدة أن تثبت لمحيطها أنها تغيرت وتخلت عن عقليتها الجهادية، وأنها لن تقوم بتشكيل أي تهديد مباشر أو حتى غير مباشر لدول الجوار.

حرية مُعلنة.. ورقابة تُعيد تشكيل المشهد

قال وزير الثقافة، محمد ياسين صالح، في لقاء متلفز على قناة الإخبارية، إن الدورة الحالية من معرض دمشق للكتاب “استثنائية” من حيث سقف الحرية، مشيراً إلى أنها أول دورة تُستبعد فيها كتب حزب البعث التي وصفها بـ”المتعفنة”، وأضاف أن المعرض في عهد نظام آل الأسد كان “متواضعاً جداً”، وأن الدول المشاركة كانت تدرك أن “سقف الحرية يكاد يلامس الأرض”.

وفي حديثه عن التحضيرات، شدّد صالح على أنه “لا يوجد أي عنوان ممنوع في المعرض…إلا تلك التي تضرب النسيج الوطني وتسبب قلقلة في السلم الأهلي تحت ذريعة حرية التعبير”، هذا الخطاب دعمه أيضاً وزير الأوقاف، محمد أبو الخير شكري، الذي تحدث عن مشاركة واسعة لدور نشر عربية وإسلامية “من دون قيود رقابية”، الأمر الذي سمح بعودة عناوين كانت محظورة لعقود.

بين حروف أوغاريت التي تزين الملصقات، ومجلدات العقيدة التي تملأ الرفوف، يبدو معرض دمشق الدولي للكتاب 2026 كمرآة تعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، فبينما يرى البعض في حضور هذه الكتب انفجاراً لحرية كانت مكبوتة لعقود، يخشى آخرون من أن يكون هذا “التحرر” موجهاً لخدمة لون فكري واحد يقصي التنوع السوري العريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى