خاصصور رمزية من لقاء واشنطن.. أمل لبناني وفرصة لإسرائيل

لكن هذا اللقاء، وفق قراءة محرر الشؤون اللبنانية في سكاي نيوز عربية عماد الأطرش، لا يمكن فصله عن توازنات القوة، ولا عن حدود التأثير الأميركي، ولا عن الانقسام البنيوي داخل القرار اللبناني، في مقابل ثبات الموقف الإسرائيلي على شروط تفاوضية صارمة.
صورة تتجاوز المضمون التفاوضي
ويشير الأطرش إلى أن أهمية اللقاء لا تكمن في مضمونه المباشر بقدر ما تكمن في “المشهدية” نفسها، حيث يجلس وفدان رسميان من لبنان وإسرائيل على طاولة واحدة للمرة الأولى منذ عقود. هذه الصورة، وفق توصيفه، تحمل قيمة رمزية عالية بالنسبة لإسرائيل التي كانت تسعى إلى هذا النوع من الحضور الدبلوماسي العلني.
ويضيف أن هذا التمثيل لم يقتصر على المستوى المركزي فقط، بل شمل أيضا لقاء على مستوى السفيرة اللبنانية في واشنطن مع السفير الإسرائيلي، وهو ما يكرّس، بحسب قراءته، انتقالا رمزيا في شكل التواصل، وإن بقي محدودا في مضمونه السياسي.
كما يربط الأطرش انعقاد اللقاء بالدور الأميركي، مشيرا إلى أن حضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو شكّل عاملا حاسما في الدفع نحو هذا المسار، معتبرا أن غياب الاهتمام الأميركي كان سيمنع انعقاد هذا الاجتماع من الأساس.
إسرائيل.. مفاوضات بلا رغبة فعلية واشتراطات مسبقة
في المقابل، يقدّم الأطرش قراءة حادة للموقف الإسرائيلي، مؤكدا أن إسرائيل لا تتحرك بدافع رغبة سياسية في التفاوض، بل تحت ضغط مركّب فرضه الواقع الإقليمي والدولي.
ويستحضر في هذا السياق موقفا إسرائيليا سابقا خلال مناقشات ترتيبات تهدئة شملت لبنان، حين رفضت تل أبيب إدراج لبنان في أي اتفاق لوقف إطلاق النار، ما أدى، وفق وصفه، إلى استمرار العمليات العسكرية، بما فيها ضربات واسعة داخل الأراضي اللبنانية.
ويؤكد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يسعى إلى مفاوضات بحد ذاتها، لكنه قبل بها “مُكرها”، دون أن يعني ذلك استعدادا للتنازل.
ويضيف أن إسرائيل لن توقف إطلاق النار تحت أي ضغط سياسي في المرحلة الحالية.
ويبرز الأطرش أن نتنياهو حدّد بشكل واضح هدفين رئيسيين من أي مسار تفاوضي: نزع سلاح حزب الله، والتوصل إلى اتفاق سلام، مع التشديد على ضرورة التمييز بين “السلام” و”التطبيع”، حيث يمكن أن يبدأ المسار بوقف الأعمال العدائية دون الذهاب إلى تطبيع شامل.
لبنان.. ازدواجية القرار بين الدولة والقوى الفاعلة
على الجانب اللبناني، يرصد الأطرش تعقيدا بنيويا في القرار السياسي، حيث يتقاطع الموقف الرسمي مع تباينات داخلية حادة.
فبينما تؤكد الحكومة اللبنانية أن هدفها من المشاركة في أي مسار تفاوضي يتمحور حول وقف إطلاق النار، تبرز مواقف مغايرة من داخل حزب الله.
وينقل الأطرش عن وفيق صفا قوله إن الحزب “لن يلتزم” بأي مخرجات قد تتوصل إليها الحكومة اللبنانية، ما يعكس فجوة واضحة بين مؤسسات الدولة والقوة العسكرية والسياسية الفاعلة على الأرض.
وفي السياق نفسه، يشير إلى تصريح الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، الذي ربط مسألة التفاوض مع إسرائيل بوجود إجماع وطني، في مقابل تساؤلات حول طبيعة آليات اتخاذ قرار الحرب نفسها.
كما يلفت إلى أن القرارات الحكومية المتعلقة بحصرية السلاح أو تقييد النشاط العسكري، رغم أهميتها السياسية، تبقى محدودة القدرة التنفيذية، لكنها تُسهم في إعادة تشكيل موازين الضغط السياسي الداخلي.
نبيه بري.. إدارة توازنات دقيقة في مرحلة حرجة
ويشير الأطرش إلى أن دخول لبنان في هذا المسار التفاوضي لم يكن ليتم دون موافقة رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي لعب دورا محوريا في تمرير هذا التوجه، بما في ذلك المواقف الحكومية المتعلقة بتنظيم السلاح.
ويرى أن بري يتعامل مع مرحلة شديدة الحساسية تتطلب موازنة دقيقة بين التزامات الدولة اللبنانية من جهة، والاعتبارات السياسية المرتبطة بحزب الله من جهة أخرى، في ظل إدراك متزايد بأن هامش المناورة الداخلية بات محدوداً.
التحول الإقليمي.. من وحدة الساحات إلى تآكل الاصطفافات
في البعد الإقليمي، يقدّم الأطرش قراءة تعتبر أن مفهوم “وحدة الساحات” الذي ارتبط بالاستراتيجية الإيرانية، يواجه اليوم تحديات فعلية، في ظل تباين سلوك الحلفاء الإقليميين في لحظات مفصلية.
ويقارن ذلك بمفهوم “وحدة المسار والمصير” الذي كان سائدا خلال مرحلة الوصاية السورية على لبنان، حين كانت المفاوضات تُدار ضمن إطار مشترك بين دمشق وبيروت، كما في مؤتمر مدريد، حيث لم يكن مسموحا للبنان بالتحرك التفاوضي المنفرد.
ويضيف أن التحولات الأخيرة، بما فيها غياب ردود فعل إيرانية مباشرة على اغتيالات قيادات بارزة في الإقليم، تعكس إعادة تموضع أوسع في إدارة الصراع الإقليمي.
حصيلة ميدانية مفتوحة على مزيد من التعقيد
في القراءة الميدانية، يطرح الأطرش تساؤلات حول نتائج المواجهة الحالية، مشيرا إلى أن الأهداف المعلنة من قبل حزب الله، مثل وقف الاعتداءات، عودة النازحين، تحرير الأسرى، والإعمار، لم تتحقق وفق المعطيات الراهنة.
في المقابل، يشير إلى تصاعد الكلفة الإنسانية والميدانية، مع ارتفاع أعداد النازحين، وتدمير قرى، وتوسع العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، ما يعكس فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة والواقع التنفيذي









