مراكز بيانات الشرق الأوسط.. أهداف جديدة في الحرب مع إيران

يدق خبراء ناقوس الخطر إزاء تهديدات جديدة تستهدف مراكز البيانات في الشرق الأوسط، محذرين من أن الضربات المبلّغ عنها هذا الشهر، التي تُعد من أولى الهجمات المعروفة من هذا النوع، تشير إلى اتجاه جديد وخطير.
اعلان
اعلان
قالت شركة “أمازون” قالت (المصدر باللغة الإنجليزية) إن اثنين من مراكز بياناتها في الإمارات العربية المتحدة تعرضا لهجمات بطائرات مسيّرة في الأول من مارس، وإن مركزا ثالثا في البحرين تضرر بشظايا ناجمة عن غارة قريبة.
أعلنت قوات الحرس الثوري الإسلامي الإيراني “IRGC” مسؤوليتها عن الهجمات، وأكدت لوسائل الإعلام الرسمية أن الهدف كان تحديد دور هذه المراكز في دعم الأنشطة العسكرية والاستخباراتية للعدو.
ويقول محللون إن هذه قد تكون من أوائل الهجمات المادية المعروفة على مراكز البيانات، وهي مبانٍ تحتضن البنية التحتية التي تشغّل كل شيء، من تطبيقات الخدمات المصرفية إلى خدمات الحوسبة السحابية ومنصات الذكاء الاصطناعي “AI”.
ورفضت “أمازون” التعليق أكثر على الهجمات في الشرق الأوسط، وأحالت “يورونيوز نيكست” إلى لوحة متابعة حالة الخدمات. وحتى 11 مارس، لا تزال عدة خدمات (المصدر باللغة الإنجليزية) تابعة لـ”أمازون” غير متاحة أو تعمل بشكل متقطع لعملاء في الإمارات والبحرين.
لماذا تُستهدف مراكز البيانات؟
يقول فينسنت بولانان، مدير برنامج حوكمة الذكاء الاصطناعي في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري” (SIPRI): “من المرجح جدا أن تُستهدف مراكز البيانات في المستقبل”.
وأضاف أنه لم يُفاجَأ بقيام إيران بشن هجمات على مراكز بيانات في الإمارات العربية المتحدة والبحرين، فهذه المراكز تغذي الذكاء الاصطناعي من خلال توفير القدرة الحاسوبية والتخزين والاتصال فائق السرعة بالإنترنت اللازمة لتدريب النماذج.
ويتابع بولانان: “تُعد مراكز البيانات لبنة أساسية حاسمة لقدرات الذكاء الاصطناعي على المستوى الوطني. ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار مراكز البيانات بنية تحتية بالغة الأهمية”.
ويرى أن استهداف مراكز البيانات يكتسب أهمية خاصة بسبب تأثيره على المدنيين، وبسبب انعكاساته المحتملة على الجيش الأمريكي، الذي يمكن أن يستخدم الذكاء الاصطناعي في عملياته. وقد ذكرت وسائل إعلام أمريكية أن نموذج “كلود” التابع لشركة “أنثروبيك” استخدمه الجيش الأمريكي للمساعدة في عمليات في فنزويلا وإيران.
ويقول جيمس شايرز، المشارك في إدارة مركز الأبحاث البريطاني “فيرتشوال روتس”، إن الشركات الأكثر عرضة للغارات الجوية هي شركات التكنولوجيا الكبرى المالكة لمراكز بيانات “هايبرسكيلر” العملاقة، مثل “مايكروسوفت” و”غوغل كلاود” و”أمازون ويب سيرفيسز”، إذا كان الهدف توجيه رسالة بشأن هشاشة هذه الأنظمة.
وتضم هذه المراكز ما لا يقل عن 5.000 خادم، ويمكن أن تمتد على ملايين الأقدام المربعة (نحو 92.900 كيلومتر مربع)، وفقا لشركة التكنولوجيا الأمريكية “آي بي إم”.
وأضاف شايرز أن مراكز البيانات المملوكة لشركات ذكاء اصطناعي كبرى، مثل “أوبن إيه آي” أو “أنثروبيك”، يمكن أن تكون أيضا عرضة للخطر إذا كان هدف الهجوم التركيز على معالجة الجيش الأمريكي للبيانات.
حماية قوية على الأرض… لكن ليس في الجو
يوضح شايرز أن معظم مراكز البيانات تتمتع بحماية “قوية” على الأرض، لكن القليل منها أخذ في الحسبان تهديد الغارات الجوية التي تشنها دول، قبل هذه الهجمات.
ويضيف: “عندما يصبح نموذج التهديد قائما على طرف دولتي معادٍ يطلق الصواريخ، لا تكون مراكز البيانات في رأس أولويات الدفاع”، مشيرا إلى أن مصافي النفط والغاز أو محطات تحلية المياه غالبا ما تُعد أهدافا أكثر إغراء.
وتشمل الإجراءات الأمنية في مراكز بيانات “أمازون” حراسا وأسوارا وكاميرات وتقنيات لرصد محاولات التسلل. وتوفر الشركة أيضا معدات لإطفاء الحرائق واتصالات احتياطية بالإنترنت في حال تعرض أحد الخوادم لارتفاع في درجة الحرارة.
وتجمع “أمازون” مراكز بياناتها ضمن “مناطق توافر” تفصل فيها المراكز ماديا داخل الإقليم الواحد، بهدف تقليص أثر أي كارثة مفردة، وفقا لبيان صحفي (المصدر باللغة الإنجليزية) صدر في 2022 عن مناطقها في الإمارات.
وتهدف هذه “مناطق التوافر” إلى ضمان استمرار عمل خدمات الحوسبة السحابية أثناء الكوارث المادية، مثل الفيضانات أو الزلازل، كما يمكن أن تساعد أيضا في التعامل مع الاضطرابات الناجمة عن هجمات بالطائرات المسيّرة، على حد قوله.
ويشرح: “إذا وقع هجوم بطائرة مسيّرة، فقد تتوقف بعض الخدمات في مراكز البيانات عن العمل، ما يفرض تشغيل المركز بكفاءة أقل أو حتى إخراجه من الخدمة بالكامل. حتى في هذا السيناريو الأسوأ، يمكنك حينها نقل معالجة البيانات إلى منشآت أخرى في الإقليم نفسه من دون مشكلات كبيرة”.
والقيد الوحيد على هذا النظام، كما يضيف، هو قواعد توطين البيانات أو سيادتها، حين تُلزم الحكومات ببقاء بيانات محددة داخل دول بعينها.
هل تحميها الاتفاقات أم الصواريخ المضادة؟
يقول شايرز إن هناك خيارين لتقليص التهديد الذي يطال مراكز البيانات: إبرام اتفاقات تجعل استهدافها خلال الحروب عملا غير قانوني، أو تحسين وسائل الدفاع عنها.
لكن مسار الاتفاقات “غير مرجح”، برأيه، إذا كان الخصوم مستعدين صراحة لاستهداف بنى تحتية حيوية مثل مراكز البيانات.
ولتحسين الدفاعات، يرى شايرز وجوب تصنيف مراكز البيانات على أنها “بنى تحتية حيوية” كي تشملها مظلة وطنية من منظومات الدفاع الصاروخي، على غرار منظومة “القبة الحديدية” الإسرائيلية.
فمنظومة الدفاع الجوي في إسرائيل هذه عبارة عن سلسلة وحدات متنقلة تُسحب بالشاحنات وتُنشر في مواقع استراتيجية في أنحاء البلاد. ويحلل عسكريون التهديدات المرصودة في “مركز إدارة معارك” يعمل على مدار 24 ساعة، ليقرروا نوع الصاروخ المستخدم في الاعتراض.
ويقول شايرز إن أنظمة الدفاع الجوي من سطح الأرض إلى الجو، مثل مكونات “القبة الحديدية”، تُنشر في “أماكن ذات قيمة عالية للغاية” كاحتياطيات النفط والغاز أو منشآت حكومية، لحمايتها من الهجمات.
ويتساءل: “يبقى السؤال إلى أي حد يمكن رفع مراكز البيانات في سلم أولويات قائمة البنى التحتية الحيوية”.
وطرح خيارا آخر يتمثل في نقل أو تركيب مستقبلات محددة للدفاع الجوي قرب مراكز البيانات أو في الزاوية والموقع المناسبين للاعتراض، موضحا أن تموضع الجيش سيعتمد على تقديره للجهة التي يمكن أن يأتي منها التهديد.
وتعمل الولايات المتحدة على تطوير درع وطني مشابه لـ”القبة الحديدية”، أطلق عليه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب اسم “القبة الذهبية”، وسيكون قادرا على إسقاط الصواريخ الفرط صوتية والبالستية وصواريخ كروز المتطورة والطائرات المسيّرة. غير أن أي عقود عسكرية لم تُمنح مباشرة لهذه المبادرة حتى الآن.
وتواصلت “يورونيوز نيكست” مع وزارة الحرب الأمريكية للحصول على تحديث بشأن “القبة الذهبية” وما إذا كانت ستدرس نشر صواريخ قرب مراكز البيانات، لكنها لم تتلق ردا فوريا.
ما الذي قد يحدث لاحقا؟
يقول بولانان إنه من غير الواضح ما إذا كان الهجوم بالطائرات المسيّرة على مراكز بيانات “AWS” يُعد “تصعيدا” في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.
فبموجب القانون الدولي، تُحظر الهجمات المباشرة على البنية التحتية المدنية أثناء النزاعات، إلا إذا توافر دليل على استخدامها في دعم عمليات عسكرية.
ويضيف بولانان: “من المرجح جدا في هذه الحالة أنها كانت بنية تحتية مدنية صِرفا، وبالتالي كان استهداف ذلك المركز عملا غير مشروع”.
وأردف أن الإمارات العربية المتحدة يمكن أن ترفع قضية قانونية ضد الضربات الأمريكية بالطائرات المسيّرة، إذ من الصعب جدا معرفة طبيعة الأنشطة العسكرية، إن وجدت، التي كانت تُستخدم لها مراكز “AWS”.
ويرجح أن يؤدي الأثر البعيد المدى لهذه الهجمات إلى تراجع الاستثمارات في مراكز البيانات في الإمارات والبحرين والشرق الأوسط عموما.
ويقول شايرز: “تُخطط استثمارات مراكز البيانات على أفق زمني طويل جدا، وأي حدث من هذا النوع يزيد من مخاطر تلك الاستثمارات. إنه يضع استراتيجيات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي لاقتصادات الخليج في مهب الخطر بشكل مقلق”.
ويوجد في الإمارات نحو 35 مركز بيانات، يُصنف 42 في المئة منها منشآت كبيرة تضم ما يصل إلى 5.000 خادم، وفقا لأرقام 2025 الصادرة عن شركة تحليل البيانات “موردر إنتليجنس”.
وقبل الهجمات، كان من المتوقع أن يتضاعف أكثر من مرة حجم أرباح سوق مراكز البيانات في الإمارات، من 3,29 مليار دولار (2,78 مليار يورو) في 2026 إلى نحو 7,7 مليار دولار (6,5 مليار يورو) بحلول 2031، بحسب الشركة.
ويُعزى جانب من هذا النمو إلى استثمارات شركات أمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي، مثل “أوبن إيه آي” و “مايكروسوفت” في مراكز بيانات داخل الإمارات.
وتواصلت “يورونيوز نيكست” مع هذه الشركات لمعرفة ما إذا كان الهجوم على مراكز البيانات سيغيّر أولوياتها في الشرق الأوسط، لكنها لم تتلق ردا فوريا.









