كشف خبايا التراب: هل يساعدنا أكله على استعادة صلتنا بالكوكب؟

بالنسبة للدكتور ماشرو، بدأت القصة كلّها برغبة مفاجئة في أكل التراب.
اعلان
اعلان
أثناء عمله مصوِّراً، طوّر هذا الأكاديمي والفنان المقيم في أمستردام ما يُعرَف بـ”الجيوفاجيا” (أو أكل التراب)، أي ممارسة تناول مواد أرضية مثل الطين أو التربة.
ومع تعمّق ماشرو في فهم هذه الرغبة، انكشف له عالم داخل عالم؛ مجموعات على “فيسبوك” تضم مئات الأعضاء يتبادلون أنواع الطين الصالحة للأكل، ومطاعم يابانية تستخدم التربة كمكوِّن في أطباقها.
وعلى الرغم من ارتباط هذه الممارسة عادة بتقاليد وطقوس ثقافية معيّنة، أو باضطراب الأكل المعروف باسم “بيكا”، فإن الجيوفاجيا، كما يتبيّن، أكثر انتشاراً بكثير مما يظنّ معظم الناس.
في عام 2017 أسّس ماشرو متحف الأرض الصالحة للأكل، وهو مشروع متنقّل يمزج خلفيته العلمية بالنشاط الفني والحقوقي، ويعرض أكثر من 600 عيّنة من التربة الصالحة للأكل من 44 دولة مختلفة.
يقول ماشرو لـ”Euronews Culture”: “يشمل المشروع تفاعلات مع علماء تربة، وأحياناً مع مهندسين كيميائيين أو أنثروبولوجيين، لكن الجزء الأهم هو بالطبع تجارب الناس مع أكل التراب، التي نشاركها مع الجمهور”.
وبمناسبة يوم الأرض، يستضيف “سومرست هاوس” في لندن حالياً هذا المشروع، بالتزامن مع سلسلة من الورش والحوارات التي تستكشف علاقتنا بالكوكب والحلول الممكنة لأزمة تغيّر المناخ.
داخل المعرض، تصطف مئات القوارير الصغيرة المملوءة بمواد ترابية مسحوقة على جدار من الرفوف، وقد جُمعت عيناتها من مختلف أنحاء العالم، وإلى جانبها تمتد طاولة تذوّق جماعية طويلة تتيح للزوار تجرِبة ملعقة من “التراب” بأنفسهم.
كان هذا البعد التشاركي دائماً العنصر الأهم بالنسبة إلى ماشرو، الذي يأمل أن تجمع التجربة الناس معاً وتعيد تشكيل نظرتهم إلى بيئتنا الطبيعية.
ويقول: “يتعلّق الأمر بإعادة وصل الإنسان بالأرض، وتغيير فكرة أن التربة شيء قذر. فالناس في المدن ليسوا متصلين كثيراً بالتربة، لا من خلال لمسها ولا من خلال المشي حفاة على الأرض. هناك قدر كبير من الانفصال بين الإنسان والأرض تفاقم خلال القرون القليلة الماضية”.
عودة إلى الأرض
قد يشعر كثيرون بالاشمئزاز من مجرّد فكرة تناول التربة، لكن ممارسة الجيوفاجيا تعود إلى ملايين السنين.
ومن أقدم التوثيقات الطبية المعروفة ما دوّنه الطبيب الإغريقي أبقراط، الذي لاحظ اشتهاء بعض الحوامل لمواد غير غذائية. كما تشير أدلة تاريخية أخرى إلى شيوع هذه العادة لدى بعض القبائل الأصلية ومجتمعات إفريقية معيّنة.
يقول ماشرو موضحاً: “كانت الأرض عنصراً شديد الأهمية في ثقافات كثيرة، ورُمِز إليها بوصفها مصدراً للخصوبة وقوة مانحة للحياة”، مشيراً إلى إيمان بعض الشعوب بأن أكل التربة قد يحمل أيضاً خصائص علاجية.
وهذه التجارب الموثّقة، القديمة منها والحديثة، تشكّل قلب المعرض، الذي يقدّم طيفاً واسعاً من القصص الشيّقة والمضيئة، وأحياناً الغريبة إلى حدّ كبير.
ومن بين أكثر القصص رسوخاً في الذاكرة حكاية امرأة تُدعى ستانيسلافا مونستفيليينيه من ليتوانيا، تزعم أن أكل التربة فقط شفاها من السرطان؛ وهو ادعاء لا يدعمه أي بحث طبي.
ويعلّق ماشرو: “لا أعرف إن كانت هذه القصة صحيحة، لكنها ما روته هي. كنّا نذهب معها إلى الغابة، وكانت تلتقط قبضة من التربة بيديها وتلتهمها”.
لكن حتى عندما تبدو الروايات مشكوكاً فيها، فإن كل تجربة تُجمع في المتحف تصبح نافذة مشوّقة على أحد أكبر التابوهات الإنسانية: تناول شيء تربّينا على أنه مقزّز وخطير.
ما مدى خطورة أكل التراب؟
ورغم أن العينات المعروضة في “سومرست هاوس” خضعت لاختبارات السلامة وترافقها تحذيرات واضحة، يبقى أكل التربة، ولا سيما مباشرة من الأرض، فعلاً ينطوي على مخاطر صحية جدّية محتملة، من بينها الإصابة بعدوى بكتيرية أو طفيلية.
ويقول ماشرو: “قد تحتوي التربة على ملوِّثات وكائنات دقيقة لا تناسب جسم الإنسان، خصوصاً أننا لم نعد على اتصال وثيق بالأرض كما في السابق، وميكروبيومات أجسامنا أضعف”.
وعندما سُئل عمّا إذا كانت جلسات التذوّق التي ينظّمها قد أسفرت عن عواقب سيئة، لم يتذكّر ماشرو سوى حادثة واحدة كادت تكون كارثية في هولندا.
يقول: “نظّمنا فعالية حضّرنا فيها كوكتيلات تحتوي على الطين، وعملت مع صانع كوكتيلات محترف. بعد الحدث شعر كثير من الحضور بالغثيان والإسهال والتقيؤ، فقلنا في أنفسنا: يا إلهي!”
لكن بعد التحقيق في الأمر وإرسال استبيانات مفصّلة للمشاركين، تبيّن أن شخصاً واحداً لم يشرب أي كوكتيل ومع ذلك أُصيب بالوعكة، ما يعني ـ في لحظة ارتياح كبيرة ـ أن العشاء المرافق للفعالية هو المرجّح أن يكون السبب.
بل إن كوكتيلات الطين ربما ساعدت في الواقع على تخفيف أعراض التسمّم الغذائي، بحسب ماشرو.
ويشرح: “قدّمتُ كل المعلومات والبيانات التي جمعتها إلى عالِمة رياضيات أجرت تحليلاً إحصائياً، فخلصت إلى أن الأشخاص الذين شربوا الكوكتيلات المحتوية على الطين، أو شربوا منها أكثر، كانوا أقل عرضة للتقيؤ مقارنة بمن استهلكوا كمية أقل من الطين”.
وإلى جانب تسليط الضوء على الأبعاد الصحية والثقافية لأكل التربة، يكشف مشروع ماشرو أيضاً إلى أي حد يمكن لشيء بسيط مثل التربة أن يكون متشابكاً مع قضايا أوسع، تعكس ليس فقط المسائل البيئية الملحّة، بل أيضاً قضايا النوع الاجتماعي والعرق والطبقة.
ويضيف: “إن الطريقة التي ننظر بها إلى أكل التربة غالباً ما تُربَط بالفقر، وبالتالي بالطبقة الاجتماعية. وكذلك بالنوع الاجتماعي، إذ يُنظَر في بعض الأماكن إلى هذه العادة على أنها مرتبطة بدرجة ما بالأنوثة، فيُعتبَر من العيب أن يأكل الرجال التراب”.
ويتابع: “إنها ممارسة شديدة التداخل بين هذه الحقول كلّها، وما بدأ برغباتي الشخصية تحوّل إلى موضوع واسع جدّاً أخذني أيضاً في رحلة حول كوكب الأرض”.
يُعرَض متحف الأرض الصالحة للأكل في “سومرست هاوس” في لندن بالمملكة المتحدة حتى 26 نيسان/أبريل 2026.









