بعد إلغاء الإعدام.. لبنان يعيد مطاردة مالك “سفينة النيترات”

ووجه المحامي أكرم عازوري كتابا إلى السلطات اللبنانية طالب فيه بتقديم طلب جديد إلى بلغاريا لتسليم إيغور غريتشوشكين، معتبراً أن إلغاء الإعدام يزيل السبب القانوني الأساسي الذي استند إليه القضاء البلغاري لرفض الطلب السابق.
وكان البرلمان اللبناني قد صوت، الثلاثاء، على إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالسجن المؤبد، لينهي بذلك وضعا استمر سنوات؛ إذ لم تنفذ البلاد أي حكم بالإعدام منذ عام 2004، لكنها واصلت إصدار الأحكام به.
ولا يؤدي التعديل القانوني تلقائيا إلى تسليم غريتشوشكين، لكنه يسمح للبنان بإعادة بناء ملفه وتقديم طلب جديد يستند إلى تغير جوهري في التشريعات التي أثارت مخاوف القضاء البلغاري.
رفض بسبب الإعدام
أوقفت السلطات البلغارية غريتشوشكين، الذي يحمل الجنسيتين الروسية والقبرصية، في مطار صوفيا في سبتمبر 2025، بناء على نشرة حمراء صادرة عن الإنتربول بطلب من لبنان.
ويلاحق القضاء اللبناني غريتشوشكين منذ عام 2020، عندما أصدر المحقق العدلي السابق في قضية المرفأ القاضي فادي صوان مذكرة توقيف بحقه، بوصفه المالك المفترض لسفينة “روسوس”.
ونقلت السفينة إلى بيروت نحو 2750 طنا من نترات الأمونيوم، قبل تفريغ الشحنة وتخزينها في العنبر رقم 12 لسنوات. وانفجرت المواد في 4 أغسطس 2020، مما أدى إلى مقتل أكثر من 235 شخصا وإصابة ما يزيد على سبعة آلاف، وتدمير أحياء واسعة من العاصمة.
وبعد توقيف غريتشوشكين، قدم لبنان طلبا لتسليمه، لكن محكمة بلغارية رفضته في ديسمبر الماضي، معتبرة أن الضمانات المقدمة بشأن عدم تعريضه لعقوبة الإعدام غير كافية.
وكانت القاضية اللبنانية المكلفة بالمساعدة القضائية الدولية ميرنا كلاس قد توجهت إلى بلغاريا مرتين لتسليم تعهد مكتوب بعدم المطالبة بالإعدام أو تنفيذه، لكن القضاء البلغاري لم يعتبره ضمانة كافية.
وتسمح اتفاقية تسليم المطلوبين بين البلدين للدولة المطلوب منها التسليم برفضه عندما يكون الشخص معرضاً لعقوبة الإعدام، ما لم تحصل على ضمانات موثوقة بعدم فرضها أو تنفيذها.
هل يمكن تقديم الطلب مرتين؟
يرى عازوري أن صدور قانون جديد يلغي العقوبة يتيح تقديم طلب ثان من دون الاصطدام بمبدأ عدم إعادة النظر في قضية سبق الفصل فيها، لأن الأساس القانوني الذي بُني عليه القرار البلغاري تغير.
وقال مصدر قانوني لموقع “لبنان 24” إن الإلغاء لا يضمن موافقة صوفيا، لكنه يسقط الحجة الأبرز التي استخدمتها المحكمة في قرارها السابق.
وسيتطلب التحرك إعداد ملف محدث من وزارة العدل والنيابة العامة، وتجديد طلب التعاون القضائي ومذكرات التوقيف، إلى جانب تقديم ما يثبت أن غريتشوشكين لن يواجه عقوبة تتعارض مع القانون البلغاري والمعايير الأوروبية.
وقد تدرس المحكمة البلغارية عوامل أخرى، بينها طبيعة التهم والأدلة المقدمة وظروف الاحتجاز والمحاكمة في لبنان، مما يعني أن إزالة عقبة الإعدام لا تنهي جميع مراحل النزاع القضائي.
شاهد أم متهم؟
لا يعني طلب تسليم غريتشوشكين ثبوت مسؤوليته عن الانفجار، إذ لم تصدر بحقه إدانة قضائية نهائية، لكنه يمثل شخصية محورية في تتبع مسار الشحنة والجهات التي مولت السفينة واستأجرتها وقررت إبقاء موادها في المرفأ.
وسبق للمحقق العدلي الحالي القاضي طارق البيطار أن حاول الاستماع إليه في بلغاريا، إلا أن غريتشوشكين امتنع عن الإدلاء بإفادته، وفق تقارير لبنانية.
وبعد ست سنوات من الانفجار، لم يصدر القرار الاتهامي النهائي، وسط تدخلات سياسية ودعاوى عطلت التحقيق مراراً.
لذلك قد يمنح إلغاء الإعدام التحقيق نتيجة لم تكن في صلب أهدافه الحقوقية: استعادة فرصة مثول أحد أبرز المطلوبين أمام القضاء اللبناني، وفتح صندوق أسرار السفينة التي وصلت حمولتها إلى بيروت ولم تغادره إلا في صورة انفجار دمر نصف العاصمة.









