Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اوروبا

آخر المحايدين: هل تتكيف 4 دول في الاتحاد الأوروبي مع التحول في الدفاع الأوروبي؟

يتسلح الاتحاد الأوروبي بوتيرة مذهلة غير مسبوقة منذ عقود، وبينما تضخ القارة مليارات في تعزيز قدراتها العسكرية وتواجه أخطر بيئة أمنية منذ الحرب الباردة، تتمسك أربع دول أعضاء بمبدأ يعرّف هويتها: الحياد. وتشمل هذه الدول النمسا وأيرلندا ومالطا وقبرص، ولكل منها سياسة حياد أو عدم اصطفاف عسكري تختلف في وضعها القانوني وتفسيرها؛ وهي مفاهيم تتكيف، أو ما زالت تتكيف، مع عالم يزداد اضطرابا بفعل غزو روسيا لأوكرانيا ورئاسة أمريكية مضطربة. وبموجب القانون الدولي يعني الحياد عموما عدم مشاركة الدولة في نزاع مسلح دولي بين دول أخرى، والالتزام بمجموعة من الواجبات في التعامل مع الأطراف المتحاربة؛ لكن التعريف يبقى معقدا، كما أن الأوضاع القانونية للدول الأربع ليست واحدة، فحياد النمسا ومالطا منصوص عليه في الدستور، بينما يستند حياد أيرلندا العسكري إلى تقليد سياسي راسخ من دون أن يدرج في الدستور، في حين اتبعت قبرص تاريخيا سياسة عدم الاصطفاف التي تتعرض أكثر فأكثر لاختبار بسبب تقاربها الدفاعي مع الغرب. وعندما تقدمت النمسا بطلب الانضمام إلى الاتحاد في 1989، أوضحت (المصدر باللغة الإنجليزية) المفوضية الأوروبية أن “حيادها الدائم” لا ينسجم مع بعض أحكام المعاهدات القائمة وقد يعيق السياسة الخارجية والأمنية المشتركة الناشئة، لكنها قبلت عضويتها بعد ستة أعوام، لتعود اليوم وتؤكد أن خيارات الأمن والدفاع تظل من صلاحيات الدول الأعضاء وأن معاهدات الاتحاد لا تمنع النمسا أو أيرلندا أو قبرص أو مالطا من الحفاظ على حيادها. وفي الواقع لا يحول الحياد دون دعم هذه الدول لأوكرانيا، بما في ذلك عبر المساعدات المالية الأوروبية مثل قرض بقيمة 90 مليار يورو، ولا يمنع مشاركتها في العقوبات ضد روسيا؛ كما انضمت قبرص وأيرلندا إلى تحالف “الراغبين” في حين تكتفي النمسا بدور المراقب. كذلك لا يلغي الحياد التزامات هذه الدول بموجب المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، وهي بند المساعدة المتبادلة الذي يلزم الأعضاء بتقديم العون “بجميع الوسائل المتاحة لهم” مع احترام خصوصية سياسات الأمن والدفاع في كل دولة، من دون أن يعني تلقائيا تقديم دعم عسكري من الدول المحايدة. وفي وقت يدخل فيه الاتحاد الأوروبي مياه تزداد غموضا، يحذر ساسة ومسؤولو دفاع من أن روسيا قد تختبر دفاعات حلف شمال الأطلسي بحلول عام 2030، ما يجعل الاستعداد الأوروبي أمرا مصيريا. ويقول ستيفن إيفرتس من معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية إن الاختبار الحقيقي لمبدأ الحياد سيأتي إذا واجهت أوروبا عدوانا مسلحا، متسائلا: “إذا وقع هجوم عسكري على دولة عضو في الاتحاد، ماذا ستكون ردود الفعل، ومظاهر التضامن، والالتزامات الفعلية، بما في ذلك في المجال العسكري، من جانب الدول الأربع المحايدة؟ عندها فقط سيوضع السؤال حقا على الطاولة”.

اعلان


اعلان

النمسا

يقول الأمين العام لوزارة الدفاع النمساوية أرنولد كاميل إن معنى حياد بلاده تغيّر منذ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي قبل 31 عاما، لكنه يشدد على أن “جوهر البقاء على الحياد راسخ بقوة في الحمض النووي للنمساويين، ويبدو أنه سيستمر كذلك في المستقبل”. فقد كرّست النمسا حيادها في قانونها الدستوري عام 1955 بعد استعادة سيادتها عقب الحرب العالمية الثانية، ثم وجدت نفسها بعد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مطالَبة بالمشاركة في السياسة الخارجية والأمنية المشتركة. وعندما تقدمت في 1989 بطلب العضوية، اعتبرت المفوضية الأوروبية أن “حيادها الدائم” غير متوافق مع أحكام المعاهدات آنذاك وقد يعرقل تطوّر السياسة الخارجية والأمنية المشتركة، ورغم ذلك أصبحت النمسا عضوا في الاتحاد بعد ستة أعوام. ومنذ ذلك الحين باتت في كل استجابة لبند المساعدة المتبادلة تحتاج إلى مشاورات سياسية داخلية “ضمن الحدود التي يفرضها دستورنا”، كما يوضح كاميل؛ فحين فعّلت فرنسا المادة 42.7 بعد هجمات 2015 الإرهابية، استندت فيينا إلى حيادها لعدم تقديم مساعدة عسكرية مباشرة، واكتفت بدعم مهمات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في مناطق أخرى. ومع ذلك لا يقيد الحياد حجم الإنفاق الدفاعي، إذ تستهدف فيينا رفعه إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2032، بينما يؤكد كاميل أن عدم عضوية بلاده في حلف شمال الأطلسي لا يعفيها من واجب الدفاع عن أراضيها، وهو ما يفسر استثماراتها “في كل المجالات العسكرية” لمواكبة التحديات.

قبرص

اتبعت قبرص تاريخيا سياسة عدم الاصطفاف، أي تجنب الارتباط الوثيق بأي قوة أجنبية، لكن تصريحات وأفعال الرئيس نيكوس كريستودوليدس الأخيرة توحي بتحول في هذا النهج. ففي مايو الماضي أعلن أن بلده المنقسم مستعد للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي “عندما تسمح الظروف السياسية”، في إشارة إلى أن معارضة تركيا، في ظل قاعدة الإجماع داخل الحلف، تشكل العقبة الرئيسية. وبعد شهر بدأت قبرص تتلقى تمويلا ضمن برنامج “الإجراء الأمني من أجل أوروبا” (SAFE) التابع للاتحاد الأوروبي، الذي يتيح ما يصل إلى 1.2 مليار يورو للاستثمارات الدفاعية، وهي الدولة الوحيدة المحايدة أو غير المنحازة داخل الاتحاد (المصدر باللغة الإنجليزية) التي تحصل على تمويل من SAFE، والمخصص بحسب التقارير لطائرات مسيّرة وصواريخ مضادة للدروع وذخائر. وقال كريستودوليدس آنذاك إن “أوروبا التي لا تستثمر في دفاعها وأمنها هي أوروبا تعتمد على الآخرين، والاعتماد لا يمكن أن يكون خيارا استراتيجيا إذا أردنا – نعم، نريد – أن نكون أقوياء جيوسياسيا”. ويرى ستيفن إيفرتس، مدير معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية (EUISS)، أن جذور معظم حالات الحياد في أوروبا تاريخية، لكن على جميع دول الاتحاد إعادة تقييم خياراتها في عام 2026 في ظل عالم يتغير بسرعة “تجعل الجميع يتساءلون هل ما اختير قبل عقود – أو قبل سبعين إلى ثمانين عاما – ما زال صالحا للعالم الذي نعيش فيه اليوم”. ويبرز هذا السؤال بقوة في قبرص، الجزيرة المقسومة منذ نصف قرن؛ فرغم الجهود الأخيرة التي تظهر رغبة واضحة في إنهاء هذا الانقسام، برز تهديد جديد مع تعرض القاعدة البريطانية ذات السيادة في أكروتيري لقصف بطائرة مسيرة من طراز “شاهد” إيرانية الصنع في مارس، وهي حادثة يقول الرئيس إنها تؤكد الحاجة إلى “دليل واضح يضمن أن الاتحاد يتصرف كضامن موثوق للأمن”.

أيرلندا

في يوليو أوضح رئيس الوزراء الأيرلندي ميشيل مارتن أن بلاده محايدة عسكريا لكنها ليست محايدة سياسيا، قائلا إن “منذ الحرب العالمية الثانية ظل الأيرلنديون متمسكين تماما بمبدأ الحياد العسكري، أي عدم الانتماء إلى أي تكتل أو تحالف عسكري، وعمليا لسنا أعضاء في حلف شمال الأطلسي”. وأضاف أن أيرلندا تتعاون مع الحلف عبر مبادرة “الشراكة من أجل السلام” في مجالات مثل البنية التحتية الحيوية تحت البحر والأمن السيبراني والتهديدات الهجينة، بينما بنت لنفسها في المقابل سمعة قوية في مجال حفظ السلام الدولي، من كوسوفو إلى أفغانستان. وأشار مارتن إلى أن حرب روسيا دفعت فنلندا والسويد إلى الانضمام إلى الناتو لكنها لم تغيّر موقف الرأي العام الأيرلندي، إذ “يرغب معظم الشعب الأيرلندي في البقاء على الحياد عسكريا”. وقد اعتُمدت سياسة الحياد العسكري رسميا قبيل الحرب العالمية الثانية، وحافظت عليها الحكومات المتعاقبة من دون أن تُكرَّس في الدستور، فيما بدأت دبلن في السنوات الأخيرة زيادة إنفاقها الدفاعي؛ ففي ديسمبر أعلنت الحكومة حزمة استثمار رأسمالي قياسية بقيمة 1.7 مليار يورو للفترة 2026-2030 لتعزيز القدرات البرية والجوية والبحرية والسيبرانية. ويرى إيان ليسر، الزميل البارز في صندوق مارشال الألماني، أن اعتماد أيرلندا على الآخرين في أمنها، مع محدودية قدرتها على “تشكيل” الاستراتيجية الأوسع، يضعها في موقف حرج خاصة في مجال الأمن السيبراني نظرا لتمركز عمالقة التكنولوجيا في دبلن، موضحا أن “أيرلندا تعتمد بدرجة عالية على روابطها الرقمية الدولية، وأمن الممرات البحرية المحيطة بها ليس أمرا يمكن التسليم به تلقائيا”.

مالطا

تمثل التوفيق بين التزام مالطا الدستوري بالحياد وبين واجباتها في إطار أمن ودفاع الاتحاد الأوروبي معادلة دقيقة؛ فكما يوضح دانييل فيوت، الخبير في الدفاع لدى مركز الأمن والدبلوماسية والاستراتيجية في بلجيكا، وُلد حياد البلاد من كونها في السابق قاعدة عسكرية بريطانية ورغبتها في الابتعاد عن كل من المعسكرين الغربي والسوفياتي، قبل أن يُكرَّس دستوريا عام 1987. لكن هذا التعريف فقد بعض صرامته مع مرور العقود، واحتدم النقاش حوله بعدما دعم رئيس الوزراء روبرت أبيلا حزمة دفاعية بقيمة 800 مليار يورو للاتحاد الأوروبي في مارس 2025، حيث دعا في تلك الفترة إلى إعادة النظر في الطريقة التقليدية لتفسير وضع الحياد وزيادة الإنفاق الدفاعي بما يعكس متطلبات المرحلة. وبالنسبة لمالطا يعني ذلك التركيز على حماية الكابلات البحرية تحت سطح البحر وشبكات الملاحة والبنية التحتية السيبرانية، في ظل ازدهار صناعة الألعاب الرقمية في الجزيرة؛ فبحسب صحيفة “تايمز أوف مالطا” (المصدر باللغة الإنجليزية)، ضاعفت الدولة تقريبا إنفاقها الدفاعي خلال عقد واحد، من نحو 42 مليون يورو في 2014 إلى 77 مليون يورو في 2023، مع بيانات البرلمان الأوروبي التي تشير إلى احتمال ارتفاعه إلى 100 مليون يورو هذا العام. وقال أبيلا مطلع 2025: “لا يمكننا أن نتبنى موقفا، كما ربما فعلنا مرارا، بأن بلدنا معزول ومحمي بالكامل من الواقع المحيط بنا”.

المستقبل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى