ملفات الأجسام الطائرة المجهولة في البنتاغون: أي دور لألمانيا؟

نشرت في •آخر تحديث
أجسام مضيئة في السماء، تقارير عسكرية غامضة وملفات حُفظت طي الكتمان لعقود: وثائق جديدة عن الأجسام الطائرة المجهولة تمنح لمحة عن بعض من أكثر القضايا إثارة للحيرة في العقود الماضية.
اعلان
اعلان
تركز هذه الملفات التاريخية على تقارير طيارين من قوات الحلفاء في الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. فقد وصفوا أجساما طائرة مضيئة تتحرك بسرعة كبيرة، كانت ترافق طائراتهم فوق ألمانيا. هذه الظواهر عُرفت لاحقا باسم “Foo Fighters”.
وجاء في الملف (المصدر باللغة الألمانية) (المصدر باللغة الإنجليزية) حرفيا:
في ليلة 22 ديسمبر 1944 ارتفع ضوءان من الأرض قرب طائرة تابعة للسرب 415th Night Fighter Squadron، ثم صعدا إلى مستواها، وتمركزا خلف ذيلها لمدة تقارب الدقيقتين، ثم “ابتعدا عنها” مجددا، بحسب الطاقم الذي أكد أنهما كانا طوال الوقت “تحت سيطرة تامة”. وأكد رادار الأرض أنه لم توجد أي طائرات معادية في المنطقة.
وتكررت مثل هذه اللقاءات عدة مرات. فعلى مدى ستة أسابيع، أبلغت أطقم السرب 415 فوق ألمانيا وفرنسا عن أضواء حمراء وخضراء وبرتقالية وكهرمانية حلّقت في تشكيل مع طائراتهم، وقامت بمناورات التفاف، واقتربت منهم إلى مسافة نحو 30 مترا. وقد أطلق الطيارون على هذه الظواهر اسم “Foo Fighters”.
وزارة الطيران البريطانية درست هذه التقارير، وخلصت في مذكرة سرية صدرت في مارس 1945 إلى أن “المسألة بأسرها ما زالت إلى حد ما غامضة”.
وبمعزل عن ذلك، أبلغ طيارون أيضا عن رصد أسطوانة من الألومنيوم طولها نحو ثلاثة فاصل ستة أمتار على ارتفاع يقارب 2.700 متر. وعند إطلاق النار عليها من الطائرات، فقد الجسم جزءا من شكله وأصدر توهجا أحمر، لكنه لم يتفتت. وقد صنّف جهاز الاستخبارات هذا الجسم على أنه على الأرجح “قنبلة مضادة للطائرات” ألمانية.
لم يجد أحد تفسيرا حاسما لتلك الأضواء الغامضة. وبقي الملف قيد السرية لمدة 80 عاما.
القادة العسكريون اختبروا عدة فرضيات تفسيرية. إحدى الإمكانيات كانت أن تلك الأجسام ربما كانت أسلحة سرية ألمانية غير معروفة حتى ذلك الحين، أو طائرات تجريبية مزودة بمحركات صاروخية أو نفاثة من نوع جديد. لكن التحقيقات لم تعثر على دليل قاطع يدعم هذا الاحتمال.
تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي المفرج عنها و”يو إف أو” النازية
من بين الوثائق المنشورة أيضا ملفات تاريخية لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) من أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، ترد فيها تقارير عن مزاعم بتطوير ألمانيا النازية لأجهزة طيران على شكل أقراص. بعض هذه الإشارات يتعلق بمشاريع أبحاث سرية محتملة في منطقة برلين وفي مناطق قريبة من الحدود النمساوية.
هذه التقارير لا تستند إلى فحوص تقنية أو ملفات عسكرية موثوقة، بل تعتمد في الغالب على أقوال مخبرين، وشائعات، ومعلومات استخباراتية من فترة ما بعد الحرب مباشرة. وهي تعكس بالأساس نوع البلاغات التي كانت السلطات تتابعها في ذلك الوقت.
ولا تقدم هذه الوثائق أدلة على أن ألمانيا النازية طورت بالفعل “أقراصا طائرة” جاهزة للاستخدام بقدرات طيران استثنائية. المؤرخون يدرجون الكثير من تلك الروايات في سياق ما أحيط بأسلحة ألمانيا السرية من تكهنات، والحرب النفسية، ومساعي الحلفاء للحصول على التكنولوجيا الألمانية المتقدمة.
تتكرر في مذكرات قيادة قوات الحلفاء (SHAEF) ووزارة الطيران البريطانية للعامين 1944 و1945 أوصاف لأضواء حمراء وخضراء وبرتقالية وكهرمانية تبدو كأنها تتحرك بصورة منضبطة، وتطير في تشكيل مع الطائرات، وتقترب أحيانا إلى مسافة قصيرة منها.
بعض المراقبين تحدثوا عن أجسام على هيئة سهام. ورغم تنوع هذه الأوصاف، تظهر أنماط متكررة: فالكثير من الأجسام الطائرة الموصوفة تبدو بلا أجنحة أو دوّارات أو وسائل دفع تقليدية واضحة. كما نُسبت إليها خصائص غير معتادة، مثل البقاء ساكنة في الهواء على ما يبدو، أو التسارع المفاجئ، أو تنفيذ مناورات طيران يصعب تفسيرها بالاستناد إلى التقنيات المعروفة آنذاك.
أشكال مضيئة ومناورات طيران مجهولة
وثقت تحقيقات لاحقة، مثل برنامج القوات الجوية الأمريكية “Project Blue Book” (بين 1947 و1969)، طيفا واسعا من تقارير الرصد. فقد وصف شهود عيان، من بين أمور أخرى، أشكالا هندسية مضيئة، وأجساما على شكل أقراص أو سهام، وكذلك ظواهر بلا أجنحة أو دوّارات أو أنظمة دفع تقليدية معروفة. بعض هذه التقارير تحدث عن أجسام بدت وكأنها تبقى ثابتة في الهواء، ثم تتسارع فجأة أو تنفذ مناورات طيران لا يسهل تفسيرها بالاعتماد على تقنيات الطيران المعروفة في ذلك الحين.
إلى جانب الوثائق التاريخية، تحتوي الأرشيفات على عدد كبير من الملفات الحديثة. فمنذ الكشف العلني عن برنامج وزارة الدفاع الأمريكية “AATIP” (“Advanced Aerospace Threat Identification Program”) في عام 2017، وسّعت الولايات المتحدة تحقيقاتها في ما يسمى “UAP” (“Unidentified Anomalous Phenomena”).
وقد أنشأت وزارة الدفاع هياكل جديدة لرصد وتقييم المشاهدات غير المعتادة التي يبلغ عنها أفراد القوات المسلحة. كما نشرت البنتاغون عدة تسجيلات لم تكن متاحة سابقا لأجسام طائرة مجهولة، من بينها فيديوهات لطياري البحرية الأمريكية تعود إلى عامي 2004 و2015، لم تُحسم هوية الظواهر الظاهرة فيها في البداية.
وتذكر بعض الوثائق أن عسكريين عانوا، بعد لقاءات عن قرب، من أعراض جسدية مثل الغثيان والصداع وتهيّج الجلد أو أعراض عصبية. وما زال الجدل قائما حتى اليوم حول ما يكمن وراء هذه المشاهدات غير المفسَّرة؛ إذ تتراوح التفسيرات المطروحة بين ظواهر تقنية معروفة وسوء تفسيرها، وبين فرضيات أوسع نطاقا.
هذه الدرجة الجديدة من الشفافية في التعامل مع وثائق البنتاغون تُتابَع باهتمام أيضا في أوروبا. إذ يراقب خبراء الأمن والدفاع المبادرات الأمريكية، بعدما باتت الظواهر الجوية غير المعتادة تُعتبر بشكل متزايد قضية أمنية واستخباراتية محتملة.
بين التاريخ والتكهنات
تكشف الملفات المنشورة حديثا عن حقيقة أساسية: الاهتمام بالظواهر الجوية غير المألوفة يعود إلى زمن بعيد، وهو مرتبط ارتباطا وثيقا بأحداث تاريخية مثل الحرب العالمية الثانية. ورغم ورود اسم ألمانيا في تلك الوثائق، فإنها لا تقدّم دليلا على مركبات فضائية مصدرها كواكب أخرى أو على “أقراص طائرة” ألمانية سرية.
بل توثّق بالأحرى كيف حاولت الجيوش وأجهزة الاستخبارات، على مدى عقود، تفسير المشاهدات غير المعتادة، وكيف نشأت من تلك المحاولات أساطير ما زالت حية حتى اليوم.









