حوار تحت فوهات البنادق.. البرهان يعيد إنتاج دولة الإسلاميين

وكان البرهان قد أعلن، في خطاب بمناسبة الذكرى الثانية والسبعين لتأسيس القوات المسلحة، موافقته على مبادرة تقدمت بها مجموعة وصفها بـ”الوطنية والمستقلة” لتهيئة حوار سوداني شامل، متعهدا بتوفير الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية للمشاركين، مع تأكيده أن الدولة لن تتدخل في تحديد أطراف الحوار أو أجندته أو مخرجاته.
لكن الإعلان عن الحوار تزامن مع تجديد البرهان تعهده بمواصلة القتال حتى وصفه بـ”تطهير” السودان من قوات الدعم السريع، ورفضه أي تسوية تعيد قياداتها أو حلفاءها إلى السلطة، كما كشف عن بدء العمل مع القوى التي ساندت الجيش لاستكمال مؤسسات الحكم، بما فيها المجلس التشريعي.
وأعاد الجمع بين الدعوة إلى الحوار والتمسك بالحسم العسكري طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المبادرة واستقلالها وأهدافها: هل تمثل مدخلا حقيقيا لوقف الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة، أم محاولة لإعادة تنظيم معسكر الجيش ومنحه غطاء مدنيا، تمهيدا لتثبيت سلطة عسكرية تحتفظ داخلها شبكات النظام السابق والحركة الإسلامية بنفوذها؟
صاحب الحوار يحدد نتائجه مسبقا
قال البرهان إن مجموعة وطنية مستقلة تقدمت بمبادرة للحوار، وإن سلطته لن تتولى تنظيمه أو تحديد أطرافه أو أجندته أو مخرجاته، لكن هذه الاستقلالية المعلنة تصطدم منذ اللحظة الأولى بثلاث حقائق.
أولها أن البرهان هو من يمنح الآلية حق العمل ويوفر لها التمويل والدعم اللوجستي والحماية والضمانات، وثانيها أن الحوار سيعقد داخل مناطق خاضعة لسلطة الجيش وأجهزته الأمنية والقضائية، وثالثها أن قائد الجيش وضع، قبل انطلاقه، حدود التسوية المقبولة، وحدد القوى التي يتعامل معها، وأعلن الشروع في توزيع المقاعد داخل مؤسسات الحكم.
ولا يمكن لحوار أن يكون مستقلا إذا كان أحد أطراف الحرب يحتكر المكان والحماية والتمويل، ويملك سلطة توقيف المشاركين أو تعليق ملاحقتهم، ثم يحدد مسبقا من يستحق العودة إلى المجال السياسي ومن يستبعد منه.
والأكثر إثارة للريبة أن البرهان لم يكشف هوية “المجموعة الوطنية” التي بادرت إلى الحوار، ولا معايير اختيارها، ولا الجهة التي فوضتها، ولا كيفية تكوين لجنتها التحضيرية. وبذلك تتحول عبارة “آلية مستقلة” إلى توصيف تمنحه السلطة لمجموعة مجهولة، بدلاً من أن تكون الاستقلالية نتيجة لتوافق القوى السودانية وثقتها في الجهة المنظمة.
وأشار التيار الثوري الديمقراطي، بقيادة ياسر عرمان، إلى أن اللجنة التحضيرية لا تستطيع تعيين نفسها، ولا يجوز لأحد أطراف الحرب وحلفائه اختيارها. فالحوار الذي يبدأ بآلية يباركها معسكر واحد، ويجري في أرضه وتحت حمايته، ينتهي غالبا إلى إقرار ما قرره ذلك المعسكر قبل انعقاد الجلسة الأولى.
حرية تمنح وتسحب
تعهد البرهان في خطابه بأن الحوار سيجري في مناخ تسوده الحريات، لكنه لم يعلن إلغاء القوانين المقيدة لها، أو إطلاق سراح المعتقلين، أو وقف ملاحقة الصحفيين والناشطين والسياسيين، أو إنهاء الإجراءات التي تستخدمها سلطته ضد معارضي الحرب.
وبدلا من ذلك، عرض (حصانة إجرائية مؤقتة) للمشاركين، تتضمن تعليق الإجراءات الجنائية القائمة وحمايتهم خلال فترة الحوار، من دون إسقاط الاتهامات بصورة نهائية.
وهذه الصيغة بحسب سياسيين وخبراء قانونيين لا تقدم ضمانة سياسية حقيقية، بل تكشف حجم المشكلة. فالسلطة التي تزعم أنها تفتح المجال العام تقول للمعارضين، عمليا، إن حريتهم في الحضور والكلام ستظل رهينة قرارها، توقف ملاحقتهم عندما يأتون إلى طاولتها، وتحتفظ بملفاتهم إلى ما بعد انتهاء المهمة.
فالحقوق السياسية لا تمنح في شكل تصاريح مؤقتة، وحرية التعبير ليست امتيازا يقدمه قائد عسكري لمن يقبل حضور مؤتمره. وإذا كان المشاركون يحتاجون إلى حصانة كي يعبروا عن آرائهم، فإن ذلك يمثل دليلاً على غياب المناخ الحر، لا على توافره.
ولهذا رفض عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان عرض العفو والحصانة، معتبرا أن البرهان لا يملك صفة تخوله تقديم العفو السياسي، وأن المطلوب قبل أي حوار هو موقف واضح من وقف الحرب والمحاسبة، لا تعليق الإجراءات لاستقطاب عدد من المعارضين إلى اجتماع تنظمه سلطة الأمر الواقع.
مونولوج سياسي
يقول البرهان إنه يريد حوارا شاملا، لكنه أعلن في الوقت نفسه أنه بدأ العمل مع “القوى الوطنية التي ساندت الدولة ومؤسساتها”، وهذه العبارة وحدها تكشف معيار المشاركة: المطلوب ليس جمع المختلفين، بل مكافأة من وقفوا مع الجيش خلال الحرب، ومنحهم مواقع في المجلس التشريعي ومؤسسات السلطة المقبلة.
وبهذا يصبح الحوار أقرب إلى مؤتمر لإعادة تنظيم التحالف السياسي والعسكري القائم في مناطق سيطرة الجيش، وإضافة وجوه مدنية ديكورية إليه لتحسين صورته، لا عملية وطنية تبحث جذور الحرب وتضع مسارا لإنهائها.
ووصف محمد الفكي سليمان إجراء حوار مع شخصيات تقف أصلا في صف البرهان بأنه “مونولوج”، لأن الحوار الحقيقي يفترض جمع أطراف مختلفة، بينما يستبعد الطرح الحالي الطرف الآخر في الحرب والقوى المدنية الرئيسية المطالبة بوقفها.
وكان تحالف “صمود” قد رفض المبادرة، معتبرا أنها تسعى إلى تنصيب البرهان رئيسا للبلاد، وإضفاء شرعية على حكم عسكري يمهد لعودة الإسلاميين الذين أسقط السودانيون سلطتهم بثورة ديسمبر.
والنتيجة أن أبرز القوى المدنية المناهضة للحرب تقف خارج العملية قبل بدايتها. وإذا كانت الجهة الداعية لا تستطيع جذب القوى ذات الثقل والمصداقية، فإن وصف الحوار بأنه “شامل” يصبح دعاية سياسية لا تعكس خريطة المشاركين الفعلية.
الإسلاميون خلف الستار
تمثل علاقة البرهان بالحركة الإسلامية جوهر الاعتراض على الحوار، فالمشكلة، وفق منتقديه، لا تقتصر على احتمال مشاركة المؤتمر الوطني المنحل والحركة الإسلامية بصورة معلنة، بل تمتد إلى تغلغل شبكات النظام السابق داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية والإعلامية، وفي الكتائب المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش.
ويرى القيادي في “صمود” خالد عمر يوسف أن جوهر المناورة يقوم على إبعاد المؤتمر الوطني عن الواجهة، مع تمكينه من إدارة المشروع من خلف الستار. واتهم يوسف الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني بالوقوف خلف التوجه السياسي الذي حمله خطاب البرهان، قائلا إن الخطاب يعيد إنتاج الأفكار الواردة في وثيقة “أجندة المستقبل” التي طرحها القيادي الاسلامي بالنظام السابق أحمد هارون في فبراير 2025.
كما قال يوسف إن اللمسات الأخيرة للمشروع وضعت، بحسب معلوماته، في اجتماعات عقدتها تيارات إسلامية في تركيا لمناقشة استراتيجية التعامل مع الضغوط المتزايدة عليها. وتظل هذه التفاصيل اتهامات سياسية تستلزم تحقيقا مستقلا، لكن مضمون الخطاب نفسه يمنحها ثقلا لا يمكن تجاهله: مواصلة الحرب، واستكمال مؤسسات السلطة، وتوسيع تحالف القوى المؤيدة للجيش، ثم إضفاء واجهة مدنية على بنية الحكم القائمة.
فالحركة الإسلامية، وفق هذا التقدير، لا تحتاج إلى الجلوس على مقاعد الحوار باسمها كي تكون حاضرة، يكفي أن تملك نفوذا داخل الأجهزة التي تحمي المؤتمر، والسلطة التي تموله، والمؤسسات التي ستنفذ مقرراته.
ولخص ياسر عرمان هذا التخوف بعبارة لاذعة، قائلا إن حوار الخرطوم، حتى إذا بدأ بالاستشهاد بالصحفي الإسلامي حسين خوجلي، فقد ينتهي بتلاوة أمين عام الحركة الإسلامية علي كرتي لمقرراته.
نسخة جديدة من “حوار الوثبة”
سبق لنظام عمر البشير أن استخدم الحوار السياسي أداة لإعادة إنتاج سلطته، فقد دعا إلى “حوار الوثبة” في 2014، ووعد بفتح المجال العام واستيعاب المعارضين، لكنه انتهى إلى توسيع قاعدة المشاركين في النظام من دون تغيير طبيعته أو تفكيك مؤسساته أو معالجة أسباب الحروب.
ويخشى معارضو البرهان من تكرار التجربة نفسها: دعوة واسعة في الشكل، وضوابط أمنية في المضمون، واستيعاب شخصيات مدنية محدودة التأثير، ثم إعلان مخرجات تقدم السلطة العسكرية باعتبارها تعبيرا عن توافق وطني.
والتشابه لا يقتصر على اللغة؛ فكما استخدم البشير الحوار لتجاوز عزلته الداخلية والخارجية، يحتاج البرهان اليوم إلى غطاء سياسي يمنح سلطته مظهرا مدنيا، ويساعدها في استعادة عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي، ويفتح الطريق أمام الاعتراف بمؤسسات شكلت في ظل الحرب.
والحوار، بهذه الصيغة، لا ينقل السلطة من العسكريين إلى المدنيين، بل ينقل بعض المدنيين إلى داخل السلطة العسكرية. ولا يفكك دولة الحزب والأجهزة، وإنما يمنحها واجهة جديدة يمكن تقديمها إلى الخارج باعتبارها “حكومة توافق وطني”.
أين وقف الحرب؟
المفارقة الأكبر أن خطابا يزعم فتح طريق السلام لم يتضمن التزاما واضحا بوقف إطلاق النار. فالبرهان تحدث عن السلام، لكنه ربطه عمليا بهزيمة خصمه وتجريده من السلاح وإبعاده نهائيا عن السلطة، وجدد في الوقت نفسه تعهده بمواصلة العمليات العسكرية.
وبذلك لا يصبح الحوار مدخلا إلى وقف الحرب، بل أداة سياسية تعمل بالتوازي معها: القوات تتقدم في الميدان، والسلطة توسع قاعدتها في مناطق سيطرتها، ثم تستخدم نتائج الحوار لشرعنة الواقع الذي تصنعه البنادق.
وقال التيار الثوري الديمقراطي إن الحوار يأتي في غياب وقف إنساني لإطلاق النار، ومن دون معالجة الكارثة الإنسانية، وإنه يسعى إلى منح الشرعية لأصحاب الدعوة وإطالة أمد الحرب بدلا من إنهائها.
كما أن خطاب البرهان لم يقدم تصورا واضحا لمعالجة تعدد الجيوش والكتائب والمليشيات، وهي القضية التي تقع في قلب الأزمة السودانية. فلا حديث مفصلاً عن جيش مهني واحد، أو تفكيك التشكيلات المسلحة المتحالفة مع الجيش، أو إصلاح المؤسسة العسكرية، أو إخضاعها لسلطة مدنية دستورية.
بل إن إشراك قادة الجماعات المسلحة وحلفاء الحرب في تشكيل السلطة قد يكرس قاعدة خطيرة: حصة كل طرف في مستقبل السودان تتحدد بقدرته على حمل السلاح، لا بوزنه السياسي أو تفويض المواطنين له.
حوار يتجاهل جذور الأزمة
لا يمكن اختزال الحرب السودانية في نزاع اندلع بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023. فهذا النزاع نتيجة لمسار طويل من غياب الحكم المدني وعسكرة الدولة، واحتكار السلطة والثروة، وتهميش الأقاليم، واستخدام المليشيات في إدارة الصراعات، وإضعاف المؤسسات المدنية، والإفلات المستمر من العقاب.
وكان نظام البشير نفسه هو الذي أنشأ الدعم السريع، ومنحه الشرعية والسلاح والموارد، قبل أن يصبح شريكاً للجيش في انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم يتحول الخلاف بين الطرفين إلى حرب مفتوحة.
ولهذا، فإن استبعاد الدعم السريع من السلطة المقبلة لا يكفي لبناء دولة مدنية إذا استمرت البيئة السياسية والأمنية التي أنتجته، وبقيت بقية الجيوش والكتائب خارج أي إصلاح، واستعادت شبكات النظام السابق نفوذها تحت راية الجيش.
كما لا يمكن معالجة الحرب من دون وضع العدالة وجبر الضرر وحماية المدنيين في صلب العملية السياسية، ومنح النازحين واللاجئين والنساء والضحايا وممثلي المناطق المنكوبة دورا حقيقيا في تصميم الحوار، لا الاكتفاء باستدعائهم لإقرار أجندة وضعتها قوى الحرب.
خطر التحول إلى حرب إقليمية
تأتي مبادرة البرهان في وقت تتسع فيه جبهات القتال وتتزايد التدخلات الخارجية، من كردفان ودارفور إلى النيل الأزرق والحدود الإثيوبية، بينما يعتمد طرفا الحرب، بدرجات مختلفة، على الدعم العسكري والمالي والسياسي الخارجي.
وحذر التيار الثوري الديمقراطي من أن استمرار الحرب قد يدفع السودان نحو نموذج أقرب إلى اليمن أو سوريا، مع تمدد الصراعات من القرن الإفريقي إلى الساحل والبحر الأحمر.
وفي هذا السياق، فإن الحوار الداخلي المغلق لا يعالج شبكات التسليح والتمويل ولا تضارب المصالح الإقليمية، وقد يتحول إلى وسيلة لكسب الوقت وتحسين الموقف التفاوضي للجيش، بينما تستمر الحرب ويعاد رسم خريطة السيطرة على الأرض.
وحتى مشاركة السلطة في مسارات الرباعية والخماسية لا تصبح ذات قيمة إذا استخدمت لإدارة الضغوط الدولية وشراء الوقت، بدلا من الوصول إلى وقف إنساني لإطلاق النار وعملية سياسية مملوكة للمدنيين والمتضررين من الحرب.
رأس جديد للنظام القديم
لا يحتاج السودان إلى حوار يمنح الحرب واجهة سياسية، بل إلى عملية تبدأ بوقف القتال وحماية المدنيين، وتعقد في مكان محايد، وتديرها آلية متوافق عليها، وتقودها القوى المدنية المستقلة وممثلي الضحايا، وتفصل المؤسسة العسكرية عن الحكم والاقتصاد والسياسة.
أما حوار البرهان بصيغته المعلنة، بحسب مراقبين سياسيين، فليس سوى محاولة لتكريس حكم عسكري عضوض آخر، يستبدل فيه رأس عمر البشير برأس البرهان، بينما تبقى الدولة ومؤسساتها ومواردها وشؤونها الفعلية في قبضة الإسلاميين.
إنه ليس حوارا للسلام، بل حوار لإعادة إنتاج السلطة التي صنعت الحرب، ومنحها أسماء جديدة ومقاعد مدنية وستارا سياسيا، وما لم يبدأ الطريق بوقف الحرب وتفكيك تمكين النظام السابق وبناء جيش مهني واحد ودولة مدنية للمواطنة، فلن تكون النتيجة استقرار السودان، بل تمديد عمر الأزمة وتأجيل انفجارها التالي.








